جعل يأتي النوار وبه ردع الخلوق [ 1 ] وعليه الأثر فقالت له النّوار : هل تزوجتها إلا هداديّة - تعني حيّا من أزد عمان - فقال الفرزدق في ذلك :
تريك نجوم الليل والشّمس حيّة
كرام بنات الحارث بن عباد [ 2 ]
أبوها الذي قاد النّعامة بعد ما
أبت وائل في الحرب غير تماد [ 3 ]
/ نساء أبوهنّ الأعزّ ولم تكن
من الأزد في جاراتها وهداد
ولم يك في الحيّ الغموض محلَّها
ولا في العمانيّين رهط زياد [ 4 ]
عدلت بها ميل النّوار فأصبحت
وقد رضيت بالنّصف بعد بعاد [ 5 ]
قال : فلم تزل النوار ترققه ، وتستعطفه ، حتى أجابها إلى طلاقها ، وأخذ عليها ألَّا تفارقه ولا تبرح من منزله ، ولا تتزوج رجلا بعده ، ولا تمنعه من مالها ما كانت تبذله له ، وأخذت عليه أن يشهد الحسن البصريّ على طلاقها ، ففعل ذلك .
قال المازنيّ : وحدثني محمد بن روح العدوي عن أبي شفقل راوية الفرزدق قال :
ما استصحب الفرزدق أحدا غيري وغير راوية آخر ، وقد صحب النّوار رجال كثيرة ، إلا أنهم كانوا يلوذون بالسّواري خوفا من أن يراهم الفرزدق ، فأتيا الحسن فقال له الفرزدق : يا أبا سعيد ، قال له الحسن : ما تشاء ؟
قال : أشهد أن النّوار طالق ثلاثا ، فقال الحسن : قد شهدنا ، فلما انصرفنا قال : يا أبا شفقل ، قد ندمت ، فقلت له : واللَّه إني لأظن أن دمك يترقرق ، أتدري من أشهدت ؟ واللَّه لئن رجعت لترجمن بأحجارك ، فمضى وهو يقول :
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا
غدت منّي مطلَّقة نوار [ 6 ]
ولو أنّي ملكت يدي وقلبي
لكان عليّ للقدر الخيار
وكانت جنّتي فخرجت منها
كآدم حين أخرجه الضّرار [ 7 ]
وكنت كفاقىء عينيه عمدا
فأصبح ما يضيء له النهار
يخاصم كل من يمد يده لمساعدة النوار
: وأخبرني بخبره مع النّوار أحمد بن عبد العزيز ، قال : حدثنا عمر بن شبة ، قال : حدثني محمد بن يحيى ، عن
هامش
إن تأت بنتك من بيتي مطلقة
فلن تردي عليها زفرة الندم[ 1 ] ردع الخلوق : ريح الطيب .
[ 2 ] كرام : فاعل تريك . يقول : إنهن كالنجوم يبدون مع الشمس مع أن النجوم لا تظهر معها .
[ 3 ] الحارث بن عباد : فارس النعامة « فرسه » من بني بكر . ارجع إلى خبره في « الأغاني » عند الكلام عن حرب تغلب وبكر ابني وائل .
[ 4 ] الحي الغموض : القبيلة التي تخفي مكانتها .
[ 5 ] يريد أنه أدب نوار بزواجه هذا . فرضيت بالنصف ( بفتح النون ) أي الإنصاف ، أو رضيت بالنصف ( بكسر النون ) ، أي بالقسمة بينها وبين الزوجة الجديدة .
[ 6 ] الكسعي : رجل يضرب به المثل في الندامة على كسره قوسه ، وكان جربها في عدة ظباء ، فظن أنها لم تصبهن ، ثم اتضح أنها أقصدتهن جميعا .
[ 7 ] الضرار ، من ضاره ، يريد أن مخالفة آدم لأمر ربه أخرجته من الجنة .