إذاً فكل الإبتلاآت الإبراهيمية طول حياته النيرة تشمله « كلمات » وهي الدالات على العناية القمة التربوية الربانية فيما أمره ربه ونهاه ، والدالات على قمة التسليم قلبياً إذ سلم له ، والدالات على تمام التسليم وكما له إذ طبقها ، و « أتمهن » هنا كما تعني أن اللَّه أتم هذه الكلمات في إبراهيم تأييداً وتسديداً ، كذلك تعني أن إبراهيم أتمهن حسب الطاقة البشرية مزودة بعصمة ربانية ، ويقابله تركهن ، أو انقصهن ، لا ! بل « أتمهن » كما أراده اللَّه منه ، وأتمهن اللَّه تتميماً لناقص الإرادة البشرية بعصمة إلهية .
« قال إني جاعلك للناس إماماً » .
هنا « قال » دون « فقال » : تفريعاً للإمامة على إتمام الكلمات ، لأن إتمامها ليس إلا ظرفاً صالحاً لجعل الإمامة ، لا نتيجة ضرورية مفرَّعة عليه ، أم ولأن من هذه الكلمات هي كلمات جعل الإمامة : « إني جاعلك للناس إماماً » ومنها قوله : ومن ذريتي ، ثم جوابه :
« قال لا ينال عهدي الظالمين » .
فإن الإمامة ولا سيما هذه الكبرى ابتلاءٌ عظيم بمسؤليتها الكبرى ، ثقيلة على من يُحَّملُها ، عظيم حِملها بحَملها ، ولكن إبراهيم عليه السلام أتمها وأتى بها كما أريد منه .
ثم « إني جاعلك . . » مما يدل على انحصار جعل الإمامة باللَّه ، وانحساره عمن سواه ، و « جاعلك . . إماماً » حيث اسم الفاعل عامل في مفعوليه هنا ، دليل انه جعل في الحال ، حيث الفاعل الماضي لا يعمل ، واما الاستقبال فهو مجاز يحتاج إلى دليل ، وصدق المشتق بمادته ليس إلّا بصادق واقعها في الحال .
والإمامة بإطلاقها هي القيادة الحقة كما هنا أو الباطلة كما « جعلناهم أئمة يدعون إلى النار » وليس المعني منها في ذلك الجعل ما دون العصمة من القيادة فان إبراهيم كان معصوماً حينه بأعلى درجات النبوة ، وان اللَّه لا يجعل قيادة روحية بانتصاب لمن هو دون العصمة ، فإنه قد يخطأ أو يقصِّر أو يقْصُر ، فكيف يأتمنه اللَّه على قيادته للناس ؟ ! .
بل وليست هذه الإمامة هنا هي الرسالة أو النبوة ، فإنهما مجعولتان له ماضيتان ، ونفس « اني جاعلك » وحياً دليل على حاضر الوحي رسالة ونبوةً ، فكيف يجعله صاحبَ وحي
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 68
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٦٨