فاكهة حسب التخير : انتخاباً لأحسنها تفكهاً ، ولحم طير من أي نوع يشتهون ، وبأية طبخة يريدون ، أو انطباخة دون طبخ ، فالفاكهة تختار لأنها عند الشبع ، واللحم يشتهى ، فإنه عند الجوع ، فليس تعبير الاختيار والإشتهاء ، اشتهاءً فوضى في التعبير ، وإنما اختيار بلاغة العليم الخبير .
« وحور عين » : جمع عيناء : واسعة العيون الجميلة ، تحير الناظر إليها . « كأمثال اللؤلؤ المكنون » المصون عن كل لمسة ونظرة ، أو أية عارضة ، لم تثقبه يد ، ولم تخدشه عين ، كذلك الحور العين إذ « لم يطمثهن انس قبلهم ولا جان » ويزيدهن لطفاً انهن طائفات حول أزواجهن « 1 » .
« جزاء بما كانوا يعملون » : لا بما كانوا يعلمون أو يأملون ، أو بما كانوا يعتقدون أو يؤمنون ، وإنما عمل الإيمان الذي كانوا به يداومون .
هذا طرف من نعيم الجنة الجسدانية ، فإليكم طرفاً من الجنة النفسانية :
« لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً . إلا قيلًا سلاماً سلاماً » 56 : 25 .
فلماذا اللغو هناك وهم غارقون في نعمة اللَّه ومعرفته ، ولماذا التأثيم ولا إثم هناك ولا تأثيم ، فإن بواعث اللغو ، وهواجس اللهو ، ووساوس النفس هناك منفية ، لأنهم ظهروا على الحقائق كلها وظهرت لهم ، وكملت عقولهم وأحلامهم « ويخرج أضغانكم » ( 47 : 36 ) فلا أضغان تدفع إلى تناحرات ، ولا غلّ يدعوالتنافرات : ونزعنا ما في صدورهم من غل اخواناً على سرر متقابلين » ( 15 : 47 ) فدافع اللغو والتأثيم ، جهل تحول إلى العلم والمقربون كانوا عالمين ، أو طيش استقر بالنعيم ، وهم كانوا يملكون طيشهم ، أو جهالة تحولت إلى معرفة وهم كانوا عارفين ، فلا لذة لهم أحلى من العبودية ، ولا ذلة لهم أذل من ترك العبودية ، فحياتهم هناك حياة أمن واستقرار بإيمان ، دون شَغب ولا نَصب ، ف « لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً » فضلًا عن أن يأتوا به « إلا قليلًا سلاماً سلاماً » :
هامش
( 1 ) . لأن « وحور عين » عطف على « ولدان مخلدون » يطوف عليهم ولدان مخلدون وحور عين