ليست الا في الحياة الدنيا لواقع الاختيار والتكليف فيها ، وفى الموت عنها علمياً حالها ، فإنه الذي يحمل الذكرى ، ويحمل صاحبه على التسابق في الأعمال الحسنة « ليبلوكم أيكم أحسن عملًا » ، وللموت رحمات أُخرى إضافة إلى البلوى « 1 »
ولولا العزة والغلبة الاءلهية لم تكن هناك بلوى ولا حسن الأعمال ، فبعزته خلق الموت والحياة ، وبعزته يحافظ على الأحياء والأموات ، وعلى الأرواح والأجساد ، وعلى أعمال الانسان ، وبعزته يجازي كلًا على عمله ، إذ لا يفوته من أساء .
ولولا مغفرته كانت الحياة الأُخرى كلها بلاءً وعذاباً ، ولكنه يغفر ما دامت المغفرة لا
هامش
( 1 ) - / ان رحمة الموت لا تختص بالبلوى التي تدفع إلى التسابق في الصالحات ، وانما هي الأهم من فوائده لبنى الانسان حال الحياة اعتباراً ، وبعد الموت جزاء للحسنى بالحسنى ، وللذين كفروا عذاب ، وهو رحمة للمحسنين - /
وهنا رحمات أخرى نتيجة الموت في النبات والحيوان والانسان : فللانسان : هل يا ترى لو لم يكن موت ، أكانت الكرة الأرضية بفضائها تسع نسله المتواصل ؟ ولو وسعت ، فهل بامكان الأولاد ان يتحملوا عبء معايش الآباء والأمهات : الآلاف الآلاف ! وإذا أمكن ، فهل بامكان هذه الكثرة الخالدة في الحياة ، المعايشة السلمية ؟ كيف ! ولا تعيش الآن - / وهى تلمس الموت ليل نهار - / الا في اضطرابات ناتجة عن تخلفات ! .
فيا للموت من رحمة لبنى الانسان ، بنَّاء لحياة سليمة ، لو تذكروا بها ، وواعظا لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد ،
ورادعا عن الشرور لمن أراد الحياة سالمة غير منفصلة وان لم يؤمن بالآخرة ، وباعثا على التقوى لمن آمن بالله واليوم الآخر ! .
وللحيوان : لو أن بيضات الأسماك ( البطروخات ) صارت كلها اسماكا ولم تمت ، لأصبحت البحار جامدة من زحامها ، فامتنعت الحياة عليها كلها .
ولو أن الجرائيم استمرت على التوالد خمسة أيام دون انقطاع ولا موت لملأت المحيط إلى عمق ميل ، فكيف الحياة ؟ !
ولو أن ميكروب الوباء ( الكوليرا ) - / الذي يتضاعف كل عشرين دقيقة - / لو مضى عليه يوم واحد دون عائق ، لبلغ وزنه 7366 طنا ، وعدده رقم 5 مع 21 صفرا ، فأين الحياة !
ان بعض المحار في البحار تبيض الواحدة منها ستين مليونا ، لو بقيت انسالها بين عام وعامين لزادت على الكرة الأرضية ، فكيف الحياة !
والذباب الذي ينفص عيش الانسان ، تبيض انشاه خمس أو ست مرات ، في كل مرة 120 - / 150 بيضة ، فلو عاشت دون موت لم يعش على وجه الأرض انسان ولا حيوان ! .
فلولا الموت لم تكن حياة ، وانه يتبنى الحياة مادية ومعنوية ، خلقية وخلقية ، « ليبلوكم أيكم أحسن عملا » سبحان الخلاق العظيم ، فهل لا يستحق الموت - / إذا - / ان يحتل الرتبة السابقة على الحياة : « خلق الموت والحياة » ؟ فان الموت رحمة للاحياء وللاموات ! .