فاستحسنها الفضل بن مروان وأوصلها إلى المعتصم قبل أن يقال في بناء سرّ من رأى شيء ، فكانت أول ما أنشد في هذا المعنى من الشعر ، فتبرّك بها وأمر لخالد بخمسة آلاف درهم .
وذكر ذلك كلَّه إسماعيل بن يحيى الكاتب ، وذكر اليوسفيّ صاحب الرسائل أن خالدا قال أيضا في ذلك :
بيّن صفو الزمان عن كدره
في ضحكات الربيع عن زهره
يا سرّ من رابوركت من بلد
بورك في نبته وفي شجره
غرس جدود الإمام ينبته [ 1 ]
بابك والمازيار من ثمره
فالفتح والنصر ينزلان به
والخصب في تربه وفي شجره
فغنى مخارق في هذه الأبيات ، فسأله المعتصم : لمن هذا الشعر ؟ فقال : لخالد يا أمير المؤمنين ، قال : الَّذي يقول :
/
كيف ترجى لذاذة الإغتماض
لمريض من العيون المراض !
فقال محمد بن عبد الملك : نعم يا أمير المؤمنين ، هو له ، ولكن بضاعته لا تزيد على أربعة أبيات ، فأمر له المعتصم بأربعة آلاف درهم ، وبلغ خالدا الخبر ، فقال لأحمد بن عبد الوهاب صاحب محمد بن عبد الملك - وقيل لأبي جعفر - أعزه اللَّه : إذا بلغت المراد في أربعة أبيات فالزيادة فضل .
يداخل الشعراء في القصائد . وكان أول صاحب مقطعات :
قال اليوسفيّ : ولمّا قال خالد في صفة سرّ من رأى قصيدته الَّتي يقول فيها :
اسقني في جرائر [ 2 ] وزقاق
لتلاقي [ 3 ] السرور يوم التلاق
من سلاف كأنّ في الكأس منه
عبرات من مقلتي مشتاق
في رياض بسرّ من را إلى الكر
خ ودعني من سائر الآفاق
بادّ كارات كل فتح عظيم
لإمام الهدى أبي إسحاق
وهي قصيدة [ 4 ] ، لقيه دعبل فقال : يا أبا الهيثم ، كنت صاحب مقطعات فداخلت الشعراء في القصائد الطوال وأنت لا تدوم على ذلك ، وبوشك أن تتعب بما ما تقول وتغلب عليه . فقال له خالد : لو عرفت النّصح منك لغيري لأطعتك في نفسي .
خلافة مع الحلبي الشاعر وهجاؤه إياه :
قال اليوسفيّ : وحدّثني أبو الحسن الشهرزانيّ : أن خالدا وقع بينه وبين الحلبي الشاعر الَّذي يقول فيه البحتريّ :
سل الحلبيّ [ 5 ] عن حلب
هامش
[ 1 ] كذا في ف ، وفي س ، ب : نكبتها ، وهو تحريف .
[ 2 ] جرائر : جمع جرار ، وجرار : جمع جرة .
[ 3 ] كذا في ف ، وفي س : « لتلافي » ، وهو تحريف .
[ 4 ] ت ، س : « قصيرة » تحريف .
[ 5 ] كذا في « الديوان » ، وفي س ، ب : « الحي » ، وهو تحريف ، وعجز البيت :
وعن تركانه حلبا