وترى من جار همّته
أن يؤدّي كل ما احتجنه [ 1 ]
وقال إبراهيم بن العباس لابن الزيات :
إيها [ 2 ] أبا جعفر وللدهر كرّ
رأت وعما يريب متّسع
أرسلت ليثا على فرائسه
وأنت منها فانظر متى تقع
لكنّه قوته وفيك له
وقد تقضّت أقواته شبع
وهي أبيات ، وقد كان أحمد بن أبي دواد [ 3 ] حمل الواثق على الإيقاع بابن الزيات وأمر علي بن الجهم فقال فيه :
لعائن [ 4 ] اللَّه موفّرات
مصبّحات ومهجّرات
على ابن عبد الملك الزّيات
عرّض شمل الملك للشتات
يرمي الدواوين بتوقيعات
معقّدات غير مفتوحات
أشبه شيء برقي الحيات
كأنّها بالزيت مدهونات
/ بعد ركوب الطوف [ 5 ] في الفرات
وبعد بيع الزيت بالحبات
سبحان من جلّ عن الصفات
هارون يا بن سيّد السادات
أما ترى الأمور مهملات [ 6 ]
تشكو إليك عدم الكفاة [ 7 ]
وهي أبيات ، فهمّ الواثق بالقبض على ابن الزيات ، وقال : لقد صدق ، قائل هذا الشعر ، ما بقي لنا كاتب .
فطرح نفسه على إسحاق بن إبراهيم ، وكانا مجتمعين على عداوة بن أبي دواد ، فقال للواثق : أمثل ابن الزيات - مع خدمته وكفايته - يفعل به هذا ، وما جنى عليك وما خانك ، وإنما دلَّك على خونة أخذت ما اختانوه ، فهذا ذنبه ! .
وبعد ، فلا ينبغي لك أن تعزل أحدا أو تعد مكانه جماعة يقومون مقامه ، فمن لك بمن يقوم مقامه ؟ فمحا ما كان في نفسه عليه ورجع له .
وكان إيتاخ صديقا لابن أبي دواد ، فكان يغشاه كثيرا ، فقال له بعض كتابه : إن هذا بينه وبين الوزير ما تعلم ، وهو يجيئك دائما ، ولا تأمن أن يظن الوزير بك ممالأة عليه ؛ فعرّفه ذلك ، فلما دخل ابن أبي دواد إليه خاطبه في هذا المعنى ، فقال : إني واللَّه ما أجيئك متعززا بك من ذلة ، ولا متكثّرا من قلَّة ، ولكن أمير المؤمنين رتّبك رتبة أوجبت لقاءك ، فإن لقيناك فله ، وإن تأخرنا عنه فلنفسك ، ثم خرج من عنده فلم يعد إليه .
هامش
[ 1 ] احتجنه : احتواه وضمه إلى نفسه .
[ 2 ] إيها : كلمة استترادة واستنطاق .
[ 3 ] في ب س : « داود » ، وهو تحريف .
[ 4 ] اللعائن : جمع اللعينة ، وهي الشدة يلعنها كل أحد .
[ 5 ] الطوف : قرب ينفخ فيها ، ويشد بعضها إلى بعض كهيئة السطح ، يركب عليها في الماء ويحمل عليها .
[ 6 ] في س ، ب : « مهمولات » ، وهو تحريف .
[ 7 ] الكفاة : جمع الكافي ، وهو الَّذي يكفي ويغني عن غيره .