القوى المذكورة في العضلات والأوتاد ، وثبت أنّ تلك القوى لاتصير مصادر للفعل والترك إلّاعند انضمام الميل والإرادة إليهما ، وثبتّ أنّ تلك الإرادة من لوازم حصول الشعور لابدّ و أن يكون بخلق اللَّه تعالى ابتداء وبواسطة مراتب شأن كلّ واحد منها في استلزام ما بعده على الوجه الذي قرّرناه ، وثبت أنّ ترتّب كلّ واحد من هذه المراتب على ما قبله أمر لازم لزوماً ذاتيّاً واجباً ؛ فإنّه إذا حسّ بشىء وعرف كونه ملائماً مال طبعه إليه ، وإذا مال طبعه إليه تحرّكت القوّة إلى الطلب ، وإذا حصلت هذه المراتب حصل الفعل لا محالة ، فلو قدّرنا شيطاناً من الخارج ، وفرضنا أنّه حصلت له وسوسة كانت تلك الوسوسة عديمة الأثر ؛ لأنّه إذا حصلت تلك المراتب المذكورة حصل الفعل سواء هذا الشيطان أولم يحصل ، وإن لم يحصل مجموع تلك المراتب امتنع حصول الفعل سواء حصل ذلك الشيطان أو لم يحصل ، فعلمنا أنّ القول بوجود الشيطان وبوجود الوسوسة قول باطل ، بل الحقّ أنّه إن اتّفق حصول هذه المراتب في الطرف النافع سمّيناها بالإلهام ، وإن اتّفق حصولها في الطرف الضارّ سمّيناها بالوسوسة .
والجواب : أنّ ما ذكرتموه حقّ وصدق إلّاأنّه لايبعد أن يكون الإنسان غافلًا عن الشيء ، فإذا ذكره الشيطان ذلك الشيء تذكره ، ثمّ عند تذكّره يترتّب عليه الميل إليه ، ويترتّب الفعل على حصول ذلك الميل ، فالّذي أتى به الشيطان الخارجي ليس إلّا ذلك التذكير ، و إليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن إبليس أنّه قال :
« وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي »
« 1 » الآية .
بقي للقائل أن يقول : فإنّ الإنسان إنّما أقدم على المعصية بتذكير الشيطان ، فالشيطان إن كان إقدامه على المعصية بتذكير الشيطان آخر لزم التسلسل .
وإن كان عمل ذلك الشيطان آخر ، ثبت أنّ ذلك الشيطان الأوّل إنّما أقدم على ما أقدم عليه بحصول ذلك الاعتقاد في قلبه ، ولابدّ لذلك الاعتقاد الحادث من محدث ما ذلك إلّااللَّه سبحانه تعالى ، وعند هذا يظهر أنّ الكلّ من عند اللَّه تعالى .
فهذا غاية الكلام في هذا البحث الدقيق العميق ، وكان حاصل هذا الكلام ما قال سيّد الرسل صلى الله عليه و آله وهو قوله : « أعوذ بك منك » . « 2 »
هامش
( 1 ) . إبراهيم ( 14 ) : 22 .
( 2 ) . بحارالأنوار ، ج 60 ، ص 334 - 337 .