ذو الرمة وعصمة بن مالك يزوران ميّة
حدثني ابن عمار والجوهريّ ، وحبيب المهلَّبيّ ، عن ابن شبّة [ 1 ] ، عن إسحاق الموصليّ ، عن مسعود بن قند ، قال :
/ تذاكرنا ذا الرمة يوما فقال عصمة بن مالك : إياي فاسألوا عنه ، قال : كان حلو العينين ، حسن النغمة ، إذا حدّث لم تسأم حديثه ، وإذا أنشدك بربر [ 2 ] وجشّ صوته ، جمعني وإيّاه مربع مرّة ، فقال لي : هيا عصمة ، إن ميّة من منقر ، ومنقر أخبث حيّ وأقفاه لأثر ، وأثبته في نظر ، وأعلمه بشرّ ، وقد عرفوا آثار إبلي ؛ فهل عندك من ناقة نزدار [ 3 ] عليها ميّة ؟ قلت : إي واللَّه عندي الجؤذر بنت يمانية الجدليّ ، قال : فعليّ بها . فأتيته بها ، فركب وردفته فأتينا محلَّة ميّة ، والقوم خلوف والنساء في الرحال ، فلمّا رأين ذا الرمة اجتمعن إلى ميّ ، وأنخنا قريبا وأتيناهنّ ، فجلسنا إليهنّ ، فقالت ظريفة منهنّ : أنشدنا / يا ذا الرمة . فقال لي : أنشدهنّ يا عصمة . فأنشدت قصيدته التي يقول فيها [ 4 ] :
نظرت إلى أظعان ميّ كأنها
ذرا النّخل أو أثل تميل ذوائبة
فأسبلت العينان والقلب كاتم
بمغرورق نمّت عليه سواكبة
بكاء فتى خاف الفراق ولم تجل
جوائلها أسراره ومعاتبه [ 5 ]
قالت الظريفة : فالآن فلتجل ، ثم أنشدت حتى أتيت على قوله [ 6 ] :
وقد حلفت باللَّه ميّة ما الذي
أحدّثها إلَّا الذي أنا كاذبه
إذا فرماني اللَّه من حيث لا أرى
ولا زال في أرضي عدوّ أحاربه
فقالت ميّة : ويحك يا ذا الرّمة ! خف اللَّه وعواقبه . ثم أنشدت حتى أتيت على قوله :
إذا سرحت من حبّ ميّ سوارح
على القلب أبّته جميعا عوازبه
/ فقالت الظريفة : قتلته قتلك اللَّه ! فقالت ميّة : ما أصحّه وهنيئا له ! فتنفّس ذو الرّمة تنفيسة كاد حرّها يطير بلحيتي ، ثم أنشدت حتى أتيت على قوله [ 7 ] :
إذا نازعتك القول ميّة أو بدا
لك الوجه منها أو نضا الدّرع سالبه
فما شئت من خدّ أسيل [ 8 ] ومنطق
رخيم ومن خلق تعلَّل جادبه [ 9 ]
هامش
[ 1 ] ج : « حدثني أحمد بن عبيد اللَّه بن عمار ، وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ ، وحبيب بن نصر المهلبي ، قالوا : حدثنا عمر بن شبة . . . » .
[ 2 ] بربر في كلامه : أكثر منه . والبربرة : الجلبة والصياح .
[ 3 ] ازداره : زاره .
[ 4 ] « ديوانه » 39 .
[ 5 ] ج : « ومغايبه » . وفي « الديوان » : « هوى آلف جاء الفراق فلم تجل » .
[ 6 ] « ديوانه » 42 .
[ 7 ] « ديوانه » 42 .
[ 8 ] « الديوان » : « فيا لك من خدّ أسيل » .
[ 9 ] جادبه : عاتبه .