فنظر إليهم واجتماعهم وازدحامهم [ 1 ] ، فقال لأصحابه الذين خرجوا معه : قد جاء في الخبر أنّ ابن سريج كان يتغنّى في أيّام الحجّ ، والنّاس بمنى فيستوقفهم بغنائه ، وسأستوقف لكم هؤلاء الناس وأستلهيهم جميعا ، لتعلموا أنه لم يكن ليفضلني إلا بصنعته دون صوته ، ثم اندفع يؤذّن ، فاستوقف أولئك الخلق واستلهاهم ، حتى جعلت المحامل يغشى بعضها بعضا ، وهو كالأعمى عنها لما خامر قلبه من الطَّرب لحسن ما يسمع .
أبو العتاهية يعجب بغنائه إعجابا شديدا
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة ، قال : حدثني ابن أخت الحاركيّ وأبو سعيد / الرّامهرمزيّ ، وأخبرني عليّ بن سليمان الأخفش ، قال : حدّثنا محمد بن يزيد الأزديّ [ 2 ] ، عن أحمد بن عيسى الجلوديّ عن محمد بن سعيد التّرمذيّ - وكان إسحاق إذا ذكر محمدا وصفه بحسن الصّوت ، ثم قال : قد أفلتنا منه ، فلو كان يغنّي لتقدّمنا جميعا بصوته - قالوا :
جاء أبو العتاهية إلى باب مخارق فطرقه واستفتح [ 3 ] ، فإذا مخارق قد خرج إليه ، فقال له أبو العتاهية :
يا حسّان [ 4 ] هذا الإقليم ، يا حكيم أرض بابل ، اصبب في أذني شيئا يفرح به قلبي ، وتنعم به نفسي ، فقال : انزلوا ، فنزلنا ، فغنّانا ، قال محمد بن سعيد : فكدت أسعى على وجهي طربا . قال : وجعل أبو العتاهية يبكي ، ثم قال له :
يا دواء المجانين لقد رقّقت حتّى كدت أحسوك ، فلو كان الغناء طعاما لكان غناؤك أدما ، ولو كان شرابا لكان ماء الحياة .
أبو العتاهية يشتهي سماعه حين حضرته الوفاة
نسخت من كتاب ابن أبي الدّنيا ، حدّثني بعض خدم السّلطان ، قال :
قال رجل لأبي العتاهية وقد حضرته الوفاة : هل في نفسك شيء تشتهيه ؟ قال : أن يحضر مخارق الساعة فيغنّيني :
سيعرض عن ذكري وتنسى مودّتي [ 5 ]
ويحدث بعدي للخليل خليل
إذا ما انقضت عنّي من الدهر مدّتي
فإن غناء الباكيات قليل
سأل أبا العتاهية عن شعره في تبخيل الناس
أخبرني عمّي ، قال : حدّثنا محمد بن عليّ بن حمزة العلويّ ، قال : حدّثنا علي بن الحسين بن الأعرابيّ ، قال :
لقي مخارق أبا العتاهية ، فقال له : يا أبا إسحاق ، أأنت القائل :
/
اصرف بطرفك حيث شئ
ت فلن ترى إلَّا بخيلا
قال له : نعم . قال : بخّلت الناس جميعا ، قال : فاصرف بطرفك يا أبا المهنّأ فانظر فإنّك لن ترى إلَّا بخيلا ،
هامش
[ 1 ] س : « فنظر إلى كثرتهم واجتماعهم وازدحامهم » .
[ 2 ] س : « محمد بن يزيد المبرد الأزدي » .
[ 3 ] ف : « إلى باب مخارق واستفتح » .
[ 4 ] حسن الشيء : جمل ، فهو حاسن وحسن وحسين وحسّان .
[ 5 ] ف ، « المختار » : « ستعرض عن ذكري وتنسى مودتي » بالبناء للفاعل .