تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأغاني — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
بالمال فأحضر ، وأمر بثلاثة آلاف درهم فزيدت عليه ، وقال : تكون هذه لهديّة تهدينها أو كسوة تكتسينها ، ولا تثلمين المال . وراح إلى الفضل بن يحيى فقال له : ما خبر غلام بلغني أنك اشتريته ؟ قال : هو ما بلغك ، قال : فأرنيه ، فأحضره ، فلما تغنّى بين يدي الفضل قال له : ما أرى فيه الذي رأيت ، قال : أنت تريد أن يكون في الغناء مثلي في ساعة واحدة ، ولم يكن مثله في الدّنيا ولا يكون أبدا . فقال : بكم تبيعه ؟ فقال : اشتريته بثلاثة وثلاثين ألف درهم ، وهو حرّ لوجه اللَّه تعالى إن بعته إلا بثلاثة وثلاثين ألف دينار ، فغضب الفضل وقال : إنما أردت أن تمنعنيه أو تجعله سببا لأن تأخذ منّي ثلاثة وثلاثين ألف دينار ، فقال له : أنا أصنع بك خصلة ؛ أبيعك نصفه بنصف هذا المال ، وأكون شريكك في نصفه وأعلَّمه ، فإن أعجبك إذا علَّمته أتممت لي باقي المال . وإلا بعته بعد ذلك وكان الرّبح بيني وبينك . فقال له الفضل : إنما أردت أن تأخذ منّي المال الذي قدّمت ذكره ، فلما لم تقدر على ذلك أردت أن تأخذ نصفه . / وغضب ، فقال له إبراهيم : فأنا أهبه لك ، على أنه يساوي ثلاثة وثلاثين ألف دينار ، قال : قد قبلته ، قال : قد وهبته لك ، وغدا إبراهيم على الرّشيد ، فقال له : يا إبراهيم ما غلام بلغني أنك وهبته للفضل ؟ قال : فقلت : غلام يا أمير المؤمنين لم تملك العرب ولا العجم مثله ، ولا يكون مثله أبدا ، قال : فوجّه إلى الفضل فأمره بإحضاره ، فوجّه به إليه فتغنّى بين يديه ، فقال لي : كم يساوي ؟ قال : قلت : يساوي خراج مصر وضياعها . فقال لي : ويلك ، أتدري ما تقول ! مبلغ هذا المال كذا وكذا ، فقلت : وما مقدار هذا المال في شيء لم يملك أحد مثله قطَّ ! قال : فالتفت إلى مسرور الكبير وقال : قد عرفت يميني ألَّا أسأل أحدا من البرامكة شيئا بعد فنفنة [ 1 ] ، فقال مسرور : فأنا أمضي إلى الفضل فأستوهبه منه ، فإذا وهبه لي وكان عبدي فهو عبدك ، فقال له : شأنك . فمضى مسرور إلى الفضل فقال له : قد عرفتم ما وقعتم فيه من أمر فنفنة [ 1 ] ، وإن منعتموه هذا الغلام قامت القيامة ، واستوهبه منه فوهبه له ، فبلغ ما رأيت . فكان علَّوية إذا غضب على مخارق يقول له - حيث يقول : أنا مولى أمير المؤمنين - متى كنت كذلك ؟ إنما أنت عبد الفضل بن يحيى أو مولى مسرور . سبب تلقيب أبيه بناووس أخبرني ابن أبي الأزهر ، قال : حدّثنا حمّاد بن إسحاق ، عن أبيه قال : كان مخارق بن ناووس الجزّار ؛ وإنما لقّب بناووس لأنه بايع رجلا أنه يمضي إلى ناووس [ 2 ] الكوفة فيطبخ فيه قدرا بالليل حتى تنضج ، فطرح رهنه بذلك ، فدسّ الرجل الذي راهنه رجلا ، فألقى نفسه في النّاووس [ 2 ] بين الموتى ، فلمّا فرغ من الطَّبيخ [ 3 ] / مدّ الرّجل يده من بين الموتى وقال له : أطعمني ، فغرف ملء المغرفة من المرقة فصبّها في يد الرجل فأحرقها ، وضربها بالمغرفة وقال له : اصبر حتى نطعم الأحياء أولا ثم نتفرّغ للموتى ، فلقّب بناووس لذلك ، فنشأ ابنه مخارق ، وكان ينادي عليه إذا باع الجزور ، فخرج له صوت عجيب ، فاشتراه أبي وأهداه
هامش
[ 1 ] « المختار » ، « قنقنة » ، ولعله خادم أو جارية . [ 2 ] الناووس : مقبرة النصارى . [ 3 ] ف ، « التجريد » : « فلما فرغ ناووس من طبيخه » .