رواية أخرى في خبره مع أبي العتاهية
أخبرني محمد بن عمران الصيرفيّ ، قال : حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ ، قال : حدّثنا محمد بن عبد اللَّه العبديّ ، قال : حدّثنا عليّ بن المبارك / الأحمر ، قال :
لقي أبو العتاهية ابن مناذر بمكَّة ، فجعل يمازحه ويضاحكه ، ثم دخل على الرّشيد ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا ابن مناذر شاعر البصرة يقول قصيدة في سنة ، وأنا أقول في سنة مائتي قصيدة [ 1 ] ، فقال الرشيد : أدخله إليّ ، فأدخله إليه وقدّر أنّه يضعه عنده ، فدخل فسلَّم ودعا ، فقال : ما هذا الذي يحكيه عنك أبو العتاهية ؟ فقال ابن مناذر :
وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال : زعم أنك تقول قصيدة في سنة ، وأنّه يقول كذا وكذا قصيدة في السّنة ، فقال :
يا أمير المؤمنين ، لو كنت أقول كما يقول :
ألا يا عتبة السّاعة
أموت السّاعة السّاعه
لقلت منه كثيرا ، ولكنّي الذي أقول :
إنّ عبد المجيد يوم تولَّى
هدّ ركنا ما كان بالمهدود
ما درى نعشه ولا حاملوه
ما على النّعش من عفاف وجود
فقال له الرشيد : هاتها فأنشدنيها ، فأنشده ، فقال الرشيد : ما كان ينبغي أن تكون هذه القصيدة إلَّا في خليفة أو وليّ عهد ، ما لها عيب إلَّا أنّك قلتها في سوقة ، وأمر له بعشرة آلاف درهم ، فكاد أبو العتاهية يموت غمّا وأسفا .
سئل عنه يحيى بن معين فذمّه
أخبرني الحسن بن عليّ ، قال : حدّثنا ابن مهرويه ، قال : حدثنا إبراهيم بن الجنيد ، قال :
سألت يحيى بن معين ، عن محمّد بن مناذر الشاعر ، فقال : لم يكن بثقة ولا مأمون ، رجل سوء نفي من البصرة ، ووصفه بالمجون والخلاعة ، فقلت : إنما / تكتب شعره [ 2 ] وحكايات عن الخليل بن أحمد ، فقال : هذا نعم . وأما الحديث فلست أراه موضعا له .
وفاته بعد أن كف بصره
أخبرني الحسن ، قال : حدّثني ابن مهرويه ، قال : حدثني عليّ بن محمد النّوفليّ قال :
رأيت ابن مناذر في الحجّ سنة ثمان وتسعين ومائة ، قد كفّ بصره ، تقوده جويرية حرّة ، وهو واقف يشتري ماء قربة ، فرأيته وسخ الثّوب والبدن ، فلما صرنا إلى البصرة أتتنا وفاته في تلك الأيّام .
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال : حدّثنا خلَّاد الأرقط قال :
تذاكرنا ابن مناذر في حلقة يونس ، فقدح فيه أكثر أهل الحلقة ، حتى نسبوه إلى الزّندقة ، فلما صرت في السّقيفة التي في مقدّم المسجد سمعت قراءة قريبة من حائط القبلة ، فدنوت فإذا ابن مناذر قائم يصلَّي ، فرجعت إلى الحلقة ، فقلت لأهلها : قلتم في الرجل ما قلتم ، وها هو ذا قائم يصلَّي حيث لا يراه إلا اللَّه عزّ وجلّ .
هامش
[ 1 ] في هب : « في سنة واحدة مائتي قصيدة » ، وفي ب : « ما بين قصائد » ، تحريف .
[ 2 ] ف : « إنما يكتب عنه شعرا أو حكايات عن الخليل » .