من ثلاثين طرقة [ 1 ] ، كل ذلك يدنو فيطَّلع إليها ، ثم يرجع على عقبيه ، ثم يعود فيطلع إليها ، فأخبرتها بذلك ، ثم لم تنشب أن جاءنا شعره فيها من كل وجه ومكان [ 2 ] .
رواية أخرى في ذلك
وذكر عليّ بن سعيد بن بشر الرازيّ : أن هارون بن مسلم بن سعد حدّثه عن حسين [ 3 ] بن براق الأسديّ ، عن عمارة بن ثقيف ، قال :
حدثني ذو الرّمة أنّ أول ما قاد المودّة بينه وبين ميّة أنه خرج هو وأخوه وابن عمه في بغاء إبل لهم ، قال :
بينا [ 4 ] نحن نسير إذ وردنا على ماء وقد أجهدنا العطش ، فعدلنا إلى حواء [ 5 ] عظيم ، فقال لي أخي وابن عمي : ائت الحواء فاستسق لنا [ 6 ] ، فأتيته وبين يديه في رواقه عجوز جالسة . قال : فاستسقيت ، فالتفتت وراءها فقالت : يا ميّ ، اسقي هذا الغلام ، فدخلت عليها فإذا هي تنسج [ 7 ] علقة لها ، وهي تقول :
يا من يرى [ 8 ] برقا يمرّ حينا
زمزم رعدا وانتحى يمينا [ 9 ]
كأنّ في حافاته حنينا [ 10 ]
أو صوت خيل ضمّر يردينا
قال : ثم قامت تصبّ في شكوتي [ 11 ] ماء ، وعليها شوذب [ 12 ] لها ، فلما / انحطَّت على القربة رأيت مولَّى لم أر أحسن منه ، فلهوت بالنظر إليها ، وأقبلت تصبّ الماء في شكوتي والماء يذهب يمينا وشمالا . قال : فأقبلت عليّ العجوز « [ 13 ] وقالت : يا بنيّ ألهتك ميّ عما بعثك أهلك له ، أما ترى الماء يذهب يمينا وشمالا ! » [ 13 ] فقلت : أما واللَّه ليطولنّ هيامي بها .
قال : وملأت شكوتي ، وأتيت أخي وابن عمي ، ولففت رأسي ، فانتبذت ناحية ، وقد كانت ميّ قالت : لقد كلَّفك أهلك السّفر على ما أرى من صغرك وحداثة سنك ، فأنشأت أقول [ 14 ] :
قد سخرت [ 15 ] أخت بني لبيد
منّي ومن سلم ومن وليد [ 16 ]
هامش
[ 1 ] طرقة : مرّة من الطرق .
[ 2 ] انفردت ف بهذا الخبر .
[ 3 ] ف : « غصين بن براق » .
[ 4 ] ف : « فبينا » .
[ 5 ] في المختار : « خباء » . والخبار والحواء ، ككتاب : جماعة البيوت المتدانية .
[ 6 ] ف : « فاستسق لنا ماء » .
[ 7 ] في « المختار » : « تمسح علقة لها » . وفي ف : « تنسج شقة لها » . والعلقة : قميص بلا كمين ، وقيل : ثوب صغير يتخذ للصبي .
[ 8 ] في « المختار » : « رأى » .
[ 9 ] في « المختار » : « . . . على يبرينا . . . وانتحى حنينا » .
[ 10 ] « المختار » : « جنينا » .
[ 11 ] الشكوة : وعاء من أدم الماء واللبن .
[ 12 ] الشوذب : ثوب طويل .
( 13 - 13 ) من أ ، ف ، والمختار .
[ 14 ] « ديوانه » 57 .
[ 15 ] « الديوان » : « قد عجبت » .
[ 16 ] « الديوان » : « وهزئت مني ومن مسعود » .