وإن يك غير ذاك حمدت ربّي
وزال الشكّ عن رجل حكيم [ 1 ]
وما الآمال تعطفني عليه
ولكنّ الكريم أخو الكريم
قال : فلمّا أنشدته هذا الشعر ، قال لي : بمثل هذا الشعر تلقى الأمير ! واللَّه لو كان نظيرك لما جاز أن تخاطبه بمثل هذا ! فقلت : صدقت ، فكذلك قلت ، إنني لم أمدحه بعد ، ولكنني سأمدحه مدحا يشبه مثله . قال : فافعل ، وأنزلني عنده / ودخل إلى الحسن فأخبره بخبري وعجبه من جودة البيت الأخير فأعجبه ، فأمر بإدخالي إليه بغير مدح ، فأدخلت إليه . فأمرني أن أنشد هذا الشعر ، فاستعفيته فلم يعفني ، وقال : قد قنعنا منك بهذا القدر إذا لم تدخلنا في جملة من ذممت ، وأرضيناك بالمكافأة الجميلة . فأنشدته إيّاه ؛ فضحك وقال : ويحك ! ما لك وللناس تعمّهم بالهجاء ؟ حسبك الآن من هذا النمط وأبق عليهم . فقلت : وقد وهبتهم للأمير . قال : قد قبلت ، وأنا أطالبك بالوفاء مطالبة من أهديت إليه هدية فقبلها وأثاب عليها . ثم وصلني فأجزل وكساني . فقلت في ذلك وأنشدته :
وهبت القوم للحسن بن سهل
فعوّضني الجزيل من الثّواب
وقال دع الهجاء وقل جميلا
فإنّ القصد أقرب للثواب [ 2 ]
فقلت له : برئت إليك منهم
فليتهم بمنقطع التّراب [ 3 ]
ولولا نعمة الحسن بن سهل
عليّ لسمتهم سوء العذاب [ 4 ]
بشعر يعجب الشعراء منه
يشبّه بالهجاء وبالعتاب
أكيدهم مكايدة الأعادي
وأختلهم مخاتلة الذّئاب [ 5 ]
بلوت خيارهم فبلوت قوما
كهولهم أخسّ من الشّباب
/ وما مسخوا كلابا غير أنّي
رأيت القوم أشباه الكلاب
قال : فضحك وقال : ويحك ! الساعة ابتدأت بهجائهم وما أفلتوا منك بعد . فقلت : هذه بغية طفحت على قلبي ، وأنا كافّ عنهم ما أبقى اللَّه الأمير .
شعره في صديق تغيّر عليه
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني عليّ بن الحسن الشّيبانيّ قال :
كان لمحمد بن حازم الباهليّ صديق على طول الأيام ، فنال مرتبة من السّلطان وعلا قدره ، فجفا محمّدا وتغيّر له ؛ فقال في ذلك محمّد بن حازم :
وصل الملوك إلى التّعالي
ووفا الملوك من المحال
هامش
[ 1 ] في الأصول : « جهدت » وهو تصحيف . وفيها أيضا « حليم » وهو تصحيف .
[ 2 ] القصد : استقامة الطريق .
[ 3 ] بمنقطع التراب : أي بالمكان النائي الموحش الَّذي انقطع وطء ترابه واجتيازه ، أو القبر .
[ 4 ] في الأصول : « سوم العذاب » تحريف .
[ 5 ] ختله كضرب ونصر : خدعه .