به أمّن اللَّه النفوس من الردى
وكانت بحال لا يقرّ ذبابها [ 1 ]
دمغت ذوي الأضغان يا بشر عنوة
بسيفك حتى ذلّ منها صعابها [ 2 ]
/ وكنت لنا كهفا وحصنا ومعقلا
إذا الفتنة الصّمّاء طارت عقابها [ 3 ]
وكم لك يا بشر بن مروان من يد
مهذّبة بيضاء راس ظرابها [ 4 ]
وطدت لنا دين النبيّ محمّد
بحلمك إذ هرّت سفاها كلابها [ 5 ]
وسدت ابن مروان قريشا وغيرها
إذا السنة الشهباء قلّ سحابها [ 6 ]
رأبت ثآنا واصطنعت أياديا
إلينا ونار الحرب ذاك شهابها [ 7 ]
شعره لبشر بن مروان
قال النضر بن حديد في كتابه هذا : ودخل عبد اللَّه بن الزّبير إلى بشر بن مروان متعرّضا له ويسمعه [ 8 ] بيتا من شعره فيه ، فقال له بشر : أراك متعرضا لأن أسمع منك / وهل أبقى أسماء بن خارجة منك أو من شعرك أو من ودّك شيئا ؟ لقد نزحت فيه بحرك يا بن الزّبير ؛ فقال : أصلح اللَّه الأمير ، إن أسماء بن خارجة كان للمدح أهلا ، وكانت له عندي أياد كثيرة ، وكنت لمعروفه شاكرا ، وأيادي الأمير عندي أجلّ ، وأملي فيه أعظم ، وإن كان قولي لا يحيط بها ففي فضل الأمير على أوليائه ما قبل به ميسورهم ، وإن أذن لي في الإنشاد رجوت أن أوفّق للصواب . فقال : هات ، فقال :
تداركني بشر بن مروان بعد ما
تعاوت إلى شلوي الذئاب العواسل [ 9 ]
غياث الضعاف المرملين وعصمة ال
يتامى ومن تأوي إليه العباهل [ 10 ]
قريع قريش والهمام الَّذي له
أقرّت بنو قحطان طرّا ووائل [ 11 ]
وقيس بن عيلان وخندف كلَّها
أقرّت وجنّ الأرض طرّا وخابل [ 12 ]
هامش
[ 1 ] في ج « لا تغو ذبانها » . وفي ب وس « لا تفر ذبابها » وهو تحريف . والتصويب عن ط والذباب : الشرّ ، أي لا يسكن شرها ، والذباب أيضّا : الجنون ، أي لا يهدأ اضطرابها .
[ 2 ] دمغت : علوت وقهرت .
[ 3 ] في س « وكنت لها » . الكهف : الملجأ وكذا المعقل . الفتنة الصماء : هي الَّتي لا سبيل إلى تسكينها لتناهيها في ذهابها ، لأن الأصم لا يسمع الاستغاثة ولا يقلع عما يفعله . وقيل : هي كالحية الصماء الَّتي لا تقبل الرقي . وفي ج وب وس « القنة » وهو تحريف .
[ 4 ] ظراب : جمع ظرب ككتف ، وهو الجبل المنبسط .
[ 5 ] وطدت : ثبت . هرّ الكلب هريرا ، وهو صوته دون نباحه .
[ 6 ] سنة شهباء : إذا كانت مجدبة بيضاء من الجدب لا يرى فيها خضرة ؛ وقيل الشهباء الَّتي ليس فيها مطر .
[ 7 ] الثأى كالثرى : الإفساد . ذكت النار : اشتد لهبها . والشهاب : شعلة من نار ساطعة .
[ 8 ] كذا في ج ، ط ، مط . والَّذي في ب ، س : « شيئا » .
[ 9 ] الشلو : الجسد . والعواسل : جمع عاسل ، عسل الذئب كضرب : اضطرب في عدوه وهز رأسه .
[ 10 ] أرمل : نفذ زاده . العباهلة : هم الذين أقروا على ملكهم لا يزالون عنه ( بالبناء للمجهول ) وقد جاء هنا العباهل بغير تاء ، وفي كتاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « إلى الأقيال العباهلة » وواحد العباهلة عبهل كجعفر والتاء لتأكيد الجمع ، كقشعم وقشاعمة ، ويجوز أن يكون الأصل عباهيل جمع عبهول أو عبهال فحذفت الياء وعوض منها الهاء ، والأوّل أشبه .
[ 11 ] القريع : السيد .
[ 12 ] الخابل : الجنّ ، جاء في « لسان العرب » : الخبل بالتحريك : الجن وهم الخابل ، وقيل الخابل : الجن ، والخبل ، اسم الجمع كالقعد