حجازي ، أفتراه يكون أشعر مني ، ودخله من ذلك ما يدخل مثله من الغمّ والحسد ، واستنشد الرشيد منصورا ، فأنشده :
أمير المؤمنين إليك خضنا
غمار الهول من بلد شطير [ 1 ]
بخوص كالأهلة خافقات
تلين على السّرى وعلى الهجير [ 2 ]
/ حملن إليك أحمالا ثقالا
ومثل الصخر والدر النثير [ 3 ]
فقد وقف المديح بمنتهاه
وغايته وصار إلى المصير
إلى من لا يشير إلى سواه
إذا ذكر النّدى كفّ المشير
فقال مروان : وددت واللَّه أنّه أخذ جائزتي وسكت .
وذكر في القصيدة يحيى بن عبد اللَّه بن حسن فقال :
يذلَّل من رقاب بني علي
ومن ليس بالمنّ الصغير
/ مننت على ابن عبد اللَّه يحيى
وكان من الحتوف على شفير [ 4 ]
مروان ينشد الرشيد
قال مروان : فما برحت حتى أمرني هارون أمير المؤمنين أن أنشده ، وكان يتبسم في وقت ما كان ينشده النمريّ ، ويأخذ على بطنه ، وينظر إلى ما قال ، فأنشدته :
موسى وهارون هما اللذان
في كتب الأخبار يوجدان
من ولد المهدى مهديّان
قدّا عنانين على عنان [ 5 ]
قد أطلق المهديّ لي لساني
وشدّ أزري ما به حباني
من اللَّجين ومن العقيان
عيديّة شاحطة الأثمان [ 6 ]
لو خايلت دجلة بالألبان [ 7 ]
إذا لقيل اشتبه النهران
النمري لا يحتفل بقول مروان
قال : فو اللَّه ما عاج [ 8 ] النمريّ بذلك ولا احتفل به ، فأومأ إليّ هارون أن زده ؛ فأنشدته قصيدتي الَّتي أقول فيها :
خلَّوا الطريق لمعشر عاداتهم
حطم المناكب كل يوم زحام
هامش
[ 1 ] الشطير : البعيد .
[ 2 ] الخوص : جمع خوصاء ، الناقة لما في عينها من غؤور وصغر ، وفي س : « نخوض » بالنون في أوله والضاد المعجمة في آخره ، وهو تحريف .
[ 3 ] أراد شعرا جزلا هو الغاية في النفاسة . وفي الأصول : « الصخرة الذر » . وقد عابه مروان لهذا التعبير الَّذي لم يوفق فيه .
[ 4 ] شفير كل شيء : حرفه .
[ 5 ] قدا : قيسا وعملا . والعنان بكسر العين هو السير يشد به اللجام . والمعنى أنهما يشبهان المهدي في صفاته .
[ 6 ] العيدية : ضرب من نجائب الإبل . وفي الأصول : « عيدته » . وشاحط من قولهم شحط فلان في السوم ، إذا بلغ أقصى ثمنه . وفي الأصول : « ساخطة الإيمان » .
[ 7 ] خايلت : فاخرت وبارت . وفي الأصول : « لو حايلت » .
[ 8 ] عاج : انعطف واهتم بالأمر .