الرشيد يبعث بمن يقتل النمريّ في يوم وفاته
قال : أراه يحرّض عليّ ، أبعثوا إليه من يجيء برأسه . فكلَّمه فيه الفضل بن الربيع / فلم يغن كلامه شيئا ، وتوجّه إليه الرسول فوافاه في اليوم الَّذي مات فيه ودفن . قال : وكان إنشاد محمّد البيدق يطرب كما يطرب الغناء .
سبب غضب الرشيد على النمري
أخبرني عميّ ، قال : حدّثنا ابن أبي سعد ، قال : حدّثنا عليّ بن الحسين الشيباني ، قال : أخبرني منصور بن جهور ، قال : سألت العتابي عن سبب غضب الرشيد عليه ، فقال لي : استقبلت منصورا النمري يوما من الأيام فرأيته مغموما واجما كئيبا ، فقلت له : ما خبرك ؟ فقال : تركت امرأتي تطلق [ 1 ] ، وقد عسر عليها ولادها ، وهي يدي ورجلي ، والقيّمة بأمري وأمر منزلي . فقلت له : لم لا تكتب على فرجها « هارون الرشيد » ؟ قال : ليكون ماذا ؟ قال :
لتلد على المكان ، قال : وكيف ذلك ؟ قلت : لقولك :
إن أخلف الغيث لم تخلف مخايله
أو ضاق أمر ذكرناه فيتّسع [ 2 ]
/ فقال لي : يا كشخان [ 3 ] ، واللَّه لئن تخلصت امرأتي لأذكرنّ قولك هذا للرشيد . فلما ولدت امرأته خبّر الرشيد بما كان بيني وبينه ، فغضب الرشيد لذلك وأمر بطلبي ، فاستترت عند الفضل بن الربيع ، فلم يزل يسأل فيّ حتى أذن لي في الظهور ؛ فلما دخلت عليه ، قال لي : قد بلغني ما قلته للنمريّ ، فاعتذرت إليه حتى قبل ، ثم قلت : واللَّه يا أمير المؤمنين ما حمله على التكذّب عليّ إلَّا وقوفي على ميله إلى العلويّة ، فإن أراد أمير المؤمنين أن أنشده شعره في مديحهم فعلت . فقال : أنشدني . فأنشدته قوله :
شاء من الناس راتع هامل
يعلَّلون النفوس بالباطل [ 4 ]
/ حتى بلغت إلى قوله :
إلا مساعير يغضبون لها
بسلَّة البيض والقنا الذّابل
غضب الرشيد وطلبه نبش جثة النمري
فغضب من ذلك غضبا شديدا ، وقال للفضل بن الربيع : أحضره الساعة . فبعث الفضل في ذلك ، فوجده قد توفّي ، فأمر بنبشه ليحرقه ، فلم يزل الفضل يلطف له حتى كفّ عنه .
الفضل بن الربيع يحمى النمري
أخبرني عمي قال حدّثنا عبد اللَّه بن أبي سعد قال : حدّثنا يحيى بن الحسن بن عبد الخالق ، قال : حدّثني بعض الزينبيّين ، قال : حبس الرشيد منصورا النمريّ بسبب الرفض [ 5 ] ، فتخلَّصه الفضل بن الربيع ، ثم بلغه شعره في آل عليّ عليه السلام ، فقال للفضل : اطلبه . فستره الفضل عنده ، وجعل الرشيد يلحّ في طلبه ، حتّى قال يوما للفضل :
هامش
[ 1 ] تطلق بالبناء للمجهول : تعاني وجع الولادة .
[ 2 ] مخايله : جمع مخيلة بالفتح ، وهي السحابة .
[ 3 ] الكشخان بالفتح والكسر : الديوث .
[ 4 ] بعده في « الشعر والشعراء » :تقتل ذرية النبيّ وير
جون جنان الخلد للقاتل[ 5 ] الرفض : ضرب من التشيع لآل علي . ذكر في « القاموس » أن الروافض كل جند تركوا قائدهم . والرافضة : الفرقة منهم وفرقة من الشيعة بايعوا زيد بن علي ثم قالوا له : تبرأ من الشيخين . فأبى وقال : كانا وزيري جدّي . فتركوه ورفضوه وارفضوا عنه ، والنسبة رافضي .