ويحك يا فضل تفوّتني النمريّ ؟ قال : يا سيدي ، هو عندي قد حصّلته . قال : فجئني . وكان الفضل قد أمره أن يطوّل شعره ، ويكثر مباشرة الشمس ليشحب وتسوء حالته ، ففعل ، فلما أراد إدخاله عليه ألبسه فروة مقلوبة ، وأدخله عليه ، وقد عفا [ 1 ] شعره ، وساءت حالته ، فلما رآه ، قال : السيف ! فقال الفضل : يا سيدي من هذا الكلب حتى تأمر بقتله بحضرتك ؟ قال : أليس هو القائل :
إلا مساعير يغضبون لها
بسلَّة البيض والقنا الذابل
/ فقال منصور : لا يا سيدي ما أنا قائل هذا ، ولقد كذب عليّ ، ولكني القائل :
يا منزل الحي ذا المغاني
أنعم صباحا على بلاكا [ 2 ]
هارون يا خير من يرجّى
لم يطع اللَّه من عصاكا
في خير دين وخير دنيا
من اتّقى اللَّه واتقاكا
فأمر بإطلاقه وتخلية سبيله ، فقال منصور يمدح الفضل بن الربيع :
رأيت الملك مذ آزر
ت قد قامت محانيه [ 3 ]
هو الأوحد في الفضل
فما يعرف ثانيه
عفة النمري
أخبرني عمي ، قال : حدّثنا ابن أبي سعد ، قال : حدّثني علي بن مسلم بن الهيثم الكوفيّ عن محمّد بن أرتبيل ، قال :
اجتمع عند المأمون قبل خلافته ، وذلك في أيام الرشيد ، منصور / النمري والخزيميّ والعباس بن زفر ، وعنده جعفر بن يحيى ، فحضر الغداء ، فأتي المأمون بلون من الطعام ، فأكل منه فاستطابه ، فأمر به فوضع بين يدي جعفر بن يحيى ، فأصاب منه ، ثم أمر به فوضع بين يدي العباس فأكل منه ، ثم نحّاه ، فأكل منه بعده الخزيمي وغيره - ولم يأكل منه النّمري - وذلك بعين المأمون ، فقال له : لم لم تأكل ؟ فقال : لئن أكلت ما أبقى هؤلاء إني لنهم .
قال : فهل قلت في هذا شيئا ؟ قال : نعم ، قلت :
لهفي أتطعمها قينسا وآكلها
إني إذا لدنيء النفس والخطر [ 4 ]
ما كان جدي ولا كان الهمام أبي
ليأكلا سؤر عباس ولا زفر
/ شتان من سؤر عباس وفضلته
وسؤر كلب مغطَّى العين بالوبر [ 5 ]
ما زال يلقم والطَّباخ يلحظه
وقد رأى لقما في الحلق كالعجر [ 6 ]
هامش
[ 1 ] عفا شعره : طال وكثر .
[ 2 ] البلى : القدم .
[ 3 ] آزرت : عاونت وصرت وزيرا . محانيه : معاطفه . وفي الأصول :رأيت الملك وهذا زر
ت قد قامت أحانيه[ 4 ] الخطر : القدر والمنزلة .
[ 5 ] السؤر : البقية والفضلة .
[ 6 ] العجر جمع عجرة : وهي العقدة .