واللَّه لا يحكم فينا ابن الدعي فقاتل قتالًا شديداً ، ثمّ عاد إلى أبيه وهو يقول : يا أبت ، العطش قد قتلني ، وثقل الحديد قد أجهدني ، فبكى الحسين ( ع ) وقال : « واغوثاه أنّى لي الماء ، قاتل يا بنّي قليلًا واصبر ، فما أسرع الملتقى بجدّك محمّد ( ص ) فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمؤ بعدها أبداً » . فكرّ عليهم يفعل فعل أبيه وجدّه . فرماه مرّة بن منقذ العبدي بسهم في حلقه . « 1 » وقال أبو الفرج : قال حميد بن مسلم الأزدي : كنت واقفاً وبجنبي مرّة بن منقذ ، وعلي بن الحسين يشدّ على القوم يمنة ويسرة فيهزمهم ، فقال مرّة عليّ آثام العرب إن مرّ بي هذا الغلام لأثكلنّ به أباه ، فقلت : لا تقل ، يكفيك هؤلاء الذين احتوشوه . فقال : لأفعلنّ ، ومرّ بنا علي وهو يطرد كتيبة فطعنه برمحه فانقلب على قربوس فرسه فاعتنق فرسه فكرّ به على الأعداء فاحتووه بسيوفهم فقطّعوه « 2 » فصاح قبل أن يفارق الدنيا : السلام عليك يا أبتي ، هذا جدّي المصطفى قد سقاني بكأسه الأوفى وهو ينتظرك الليلة ، فشدّ الحسين ( ع ) حتّى وقف عليه وهو مقطّع فقال : « قتل اللَّه قوماً قتلوك يا بنيّ ، فما أجرأهم على اللَّه وعلى انتهاك حرمة الرسول » ، ثمّ استهلت عليناه بالدموع ، وقال : « على الدنيا بعدك العفا » . « 3 » وروى أبو مخنف ، وأبو الفرج عن حميد بن مسلم الأزدي أنّه قال : وكأنّي أنظر إلى امرأة قد خرجت من الفسطاط وهي تنادي : يا حبيباه يا بن أُخيّاه ، فسألت عنها ، فقالوا : هذه زينب بنت عليبن أبي طالب ( ع ) ، فجاءت حتّى انكبّت عليه ، فجاء الحسين ( ع ) إليها وأخذ بيدها إلى الفسطاط ، ورجع فقال لفتيانه : « احملوا أخاكم » فحملوه من مصرعه ، ثمّ جاءوا به فوضعه بين يدي فسطاطه « 4 » وقتل ولا عقب له .
إبصار العين في أنصار الحسين (ع) (ط. زمزم هدايت) — صفحة 53
مساهمون: الشيخ محمد جعفر الطبسي
ص٥٣
كنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إليه ، ثمّ صاح : « يا بن سعد ، قطع اللَّه رحمك كما قطعت رحمي ولم تحفظني في رسول اللَّه ( ص ) » ، فلمّا فهم علي الإذن من أبيه شدّ على القوم وهو يقول :
أنا علي بن الحسين بن علي * نحن وبيت اللَّه أولى بالنبي
هامش
( 1 ) . راجع اللهوف : 166 .
( 2 ) . مقاتل الطالبيين : 115 .
( 3 ) . راجع مقاتل الطالبيين : 115 ، واللهوف : 167 .
( 4 ) . تاريخ الطبري : 3 / 331 بتفاوت في بعض الكلمات .