الحارث قال له الكنديّ : ما أرى لك نجاة إلَّا أن ألحقك بحضرموت ببلاد اليمن فلا يوصل إليك . فسار معه يوما وليلة ، فلمّا غرّبه [ 1 ] قال : إنّني أنقطع ببلاد اليمن فأغترب بها ، وقد برئت منك خفارتي .
لجوءه إلى بني عجل بن لجيم :
فرجع حتّى أتى أرض بكر بن وائل ، فلجأ إلى بني عجل بن لجيم ، فنزل على زبّان فأجاره وضرب عليه قبّة .
وفي ذلك يقول العجليّ :
ونحن منعنا بالرّماح ابن ظالم
فظلّ يغنّي آمنا في خبائنا
/ قال أبو عبيدة : فجاءته بنو ذهل بن ثعلبة وبنو عمرو بن شيبان فقالوا : أخرج هذا المشئوم من بين أظهرنا ، لا يعرّنا بشرّ ؛ فإنّا لا طاقة بالملحاء [ 2 ] ( والملحاء كتيبة الأسود ) فأبت عجل أن تخفره [ 3 ] ، فقاتلوه فامتنعت بنو عجل . فقال الحارث بن ظالم في الكنديّ وفيهم :
يكلَّفني الكنديّ سير تنوفة
أكابد فيها كلّ ذي صبّة مثري
- الصّبّة : قطعة من الغنم أو بقيّة منها -
وأقبل دوني جمع ذهل كأنّني
خلاة [ 4 ] لذهل والزّعانف من عمرو
ودوني ركب من لجيم مصمّم
وزبّان جاري والخفير على بكر
لعمري لا أخشى ظلامة ظالم
وسعد بن عجل مجمعون على نصري
لحوقه بطيء :
قال أبو عبيدة : ثم قال لهم الحارث : إنّي قد اشتهر أمري فيكم ومكاني ، وأنا راحل عنكم . فارتحل فلحق بطيىء . فقال الحارث في ذلك :
لعمري لقد حلَّت بي اليوم ناقتي
إلى ناصر من طيّىء غير خاذل
فأصبحت جارا للمجرّة منهم
على باذخ يعلو على المتطاول
أخذ الأسود أموال جارات له فردها هو إليهن :
قال أبو عبيدة وحدّثني أبو حيّة أنّ الأسود حين قتل الحارث خالدا سأل عن أمر يبلغ منه . فقال له عروة بن عتبة : إنّ له جارات من بليّ بن عمرو ، ولا أراك تنال منه شيئا أغيظ له من أخذهنّ وأخذ أموالهنّ ، فبعث الأسود فأخذهنّ واستاق أموالهنّ . فبلغ ذلك الحارث ، فخرج من الحين فانساب في غمار الناس حتى عرف موضع جاراته ومرعى إبلهنّ ، فأتى الإبل فوجد حالبين يحلبان ناقة لهنّ يقال لها اللَّفاع ، وكانت لبونا كأغزر الإبل ، إذا حلبت
هامش
[ 1 ] غربه : نجاه عن بلاده وأبعده .
[ 2 ] في « بعض الأصول » : « بالملجأ » وهو تحريف .
[ 3 ] الإخفار : الغدر ونقض العهد .
[ 4 ] الخلاة : واحدة الخلي وهو الرطب من الحشيش . يقول : أقبل دوني هؤلاء القوم كأني خلاة يأخذها الآخذ كيف شاء ، والواقع أني في عز ومنعة .