تغييره البتّة عند الضّرب ؛ ففعلت وجعلته في كمّي . ودخلنا على الأمين وظهره إلينا . فلما بصرنا به من بعيد قال :
أخرج عودك فأخرجته ، واندفع يغنيّ :
وكأس شربت على لذّة
وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أنّي امرؤ
أتيت الفتوّة من بابها
/ وشاهدنا الجلّ [ 1 ] والياسم
ين والمسمعات بقصّابها
وبربطنا [ 2 ] دائم معمل
فأيّ الثلاثة أزرى بها
فاستوى الأمين جالسا وطرب طربا شديدا وقال : أحسنت واللَّه يا عمّ وأحييت لي طربا ، ودعا برطل فشربه على الرّيق وامتدّ في شربه . قال منصور : وغنّى إبراهيم يومئذ على أشدّ طبقة يتناهى إليها في العود ، وما سمعت مثل غنائه يومئذ قطَّ . ولقد رأيت منه شيئا عجيبا لو حدّثت به ما صدّقت ، كان إذا ابتدأ يغنّي أصغت الوحش إليه ومدّت أعناقها ، ولم تزل تدنو منّا حتى تكاد أن تضع رؤوسها على الدّكَّان الذي كنّا عليه ، فإذا سكت نفرت وبعدت منّا حتى تنتهي إلى أبعد غاية يمكنها التّباعد فيها عنّا ، وجعل الأمين يعجب من ذلك ، وانصرفنا من الجوائز بما لم ننصرف بمثله قطَّ .
كتب له إسحاق بصوت صنعه فغناه وأجاده :
أخبرني عمّي والصّوليّ قالا حدّثنا الحسين بن يحيى الكاتب أبو الجمان أنّ إسحاق كتب إلى إبراهيم بن المهديّ بصوت صنعه في شعر له وهو :
قل لمن صدّ عاتبا
ونأي عنك جانبا
قد بلغت الذي أرد
ت وإن كنت لاعبا
وبيّن له شعره وإيقاعه وبساطه ومجراه وإصبعه وتجزئته وقسمته ومخارج نغمه ومواضع مقاطعه ومقادير أوزانه ، فغنّاه إبراهيم ، ثم لقيه بعد ذلك فغنّاه إيّاه فما خرم منه شذرة ولا نغمة . قال : وفاقني فيه بحسن صوته .
نسبة هذا الصوت
/
قل لمن صد عاتبا
ونأى عنك جانبا
قد بلغت الذي أرد
ت وإن كنت لاعبا
/ واعترفنا بما ادّعي
ت وإن كنت كاذبا
فافعل الآن ما أرد
ت فقد جئت تائبا
يقال : إنّ الشعر لإسحاق ، ولم أجده في مجموع شعره . ووجدت فيه لحنا لحكم الواديّ في ديوان أغانيه ولحنه من الماخوريّ ، وهو خفيف من خفيف [ 3 ] الثقيل الثاني بالبنصر . وكذلك ذكرت دنانير أنّه لحكم الواديّ ؛
هامش
[ 1 ] أنظر شرح هذا البيت مفصلا في « الأغاني » ج 6 ص 299 من هذه الطبعة .
[ 2 ] البربط : العود ، فارسي معرب . وفي أوم : « وإبريقنا دائما معمل » .
[ 3 ] في أوم : « وهو خفيف من الثقيل الثاني . . . إلخ » .