قال لي أحمد ولم يدر ما بي
أتحبّ الغداة عتبة حقّا
وهو متّكىء . فلما فرغ منه ترنّم به مخارق فأحسن فيه وأطربنا وزاد على إبراهيم ، فأعاده إبراهيم وزاد في صوته فعفّى على غناء مخارق . فلما فرغ ردّه مخارق وغنّى فيه بصوته كلَّه وتحفّظ فيه ، فكدنا نطير سرورا .
واستوى إبراهيم جالسا وكان متّكئا فغنّاه بصوته كلَّه ووفّاه نغمه وشذوره ، ونظرت إلى كتفيه تهتزّان وبدنه أجمع يتحرّك حتى فرغ منه ، ومخارق شاخص نحوه يرعد وقد انتقع لونه وأصابعه تختلج ؛ فخيّل لي واللَّه أنّ الإيوان يسير بنا . فلمّا فرغ منه تقدّم إليه مخارق فقبّل يده وقال : جعلني اللَّه فداك أين أنا منك ! ثم لم ينتفع مخارق بنفسه بقيّة يومه في غنائه ، واللَّه لكأنما كان يتحدث .
نسبة هذا الصوت
قال لي أحمد ولم يدر ما بي
أتحبّ الغداة عتبة حقّا
فتنفّست ثم قلت نعم حبّ
أجرى في العروق عرقا فعرقا
ما لدمعي عدمته ليس يرقا [ 1 ]
إنما يستهلّ غسقا فغسقا [ 2 ]
طربا نحو ظبية تركت قلبي من الوجد قرحة ما تفقّا [ 3 ] / الشعر لأبي العتاهية . والغناء لفريدة خفيف رمل بالوسطى . وفيه لإبراهيم بن المهديّ خفيف رمل آخر .
ولفريدة أيضا لحن من الثقيل الثاني في أبيات من هذه القصيدة وهي :
قد لعمري ملّ الطبيب وملّ ال
أهل منّي مما أداوى وأرقى
ليتني متّ فاسترحت فإنّي
أبدا ما حييت منها ملقّى [ 4 ]
غنى الأمين فأطربه :
أخبرني عمّي قال حدّثني عبد اللَّه بن أبي سعد قال حدّثني هبة اللَّه بن إبراهيم بن المهديّ قال حدّثني عمّي منصور بن المهديّ :
أنه كان عند أبي في يوم كانت عليه فيه نوبة لمحمد الأمين ، فتشاغل أبي بالشّرب في بيته ولم يمض ، وأرسل إليه عدّة رسل فتأخّر . قال منصور : فلما كان من غد قال : ينبغي أن تعمل على الرّواح إليّ لنمضي إلى أمير المؤمنين فنترضّاه ؛ فما أشكّ في غضبه عليّ . ففعلت ومضينا . فسألنا عن خبره فأعلمنا أنه مشرف على حير [ 5 ] الوحش وهو مخمور ، وكان من عادته ألَّا يشرب إذا لحقه الخمار . فدخلنا ؛ وكان طريقنا على حجرة تصنع فيها الملاهي . فقال لي أخي : اذهب فاختر منها عودا ترضاه ، وأصلحه غاية الإصلاح حتى لا تحتاج إلى
هامش
[ 1 ] يرقا : يجف وينقطع ، وأصله الهمز .
[ 2 ] الغسق : الانصباب ؛ يقال : غسقت العين تغسق ( من باب ضرب ) غسقا وغسقانا إذا دمعت .
[ 3 ] تفقا : تنفلق وتنشق ، وأصله الهمز .
[ 4 ] الملقى : الممتحن الذي لا يزال يلقاه مكروه إثر مكروه .
[ 5 ] الحير : الحظيرة والبستان .