فقالت له : يا سيّدي تلعب معي جنّابي ؟ فالتفت إلينا وقال على بديهته غير متوقّف ولا مفكَّر :
/
فديت من مرّ يمشي في معصفرة
عشيّة فسقاني ثم حيّاني
وقال تلعب جنّابي فقلت له
من جاد [ 2 ] بالوصل لم يلعب بهجران
وأمر فغنّي فيه . غنّت فيما أرى فيه هزار لحنا ، وهو رمل مطلق .
جدر خادمه نشوان فجزع عليه ثم عوفي فسرّ وقال شعرا :
حدّثني جعفر قال :
كان لعبد اللَّه بن المعتزّ غلام يحبّه ، وكان يغنّي غناء صالحا ، يقال له « نشوان » . فجدر وجزع عبد اللَّه لذلك جزعا شديدا ، ثم عوفي ولم يؤثّر الجدريّ في وجهه أثرا قبيحا . فدخلت إليه ذات يوم فقال لي : يا أبا القاسم ، قد عوفي فلان بعدك ، وخرج أحسن مما كان ، وقلت فيه بيتين وغنّت زرياب فيهما رملا ظريفا ، فاسمعهما إنشادا إلى أن تسمعهما غناء . فقلت : يتفضّل الأمير ، أيّده اللَّه تعالى ، بإنشادي إيّاهما . فأنشدني :
لي قمر جدّر لمّا استوى
فزاده حسنا فزادت هموم
أظنّه غنّى لشمس الضّحى
فنقّطته طربا بالنجوم
فقلت : أحسنت واللَّه أيّها الأمير . فقال لي : لو سمعته من زرياب كنت أشدّ استحسانا له . وخرجت زرياب فغنّته لنا في طريقة الرّمل في أحسن غناء ، فشربنا عليه عامّة يومنا .
غضب عليه غلامه نشوان فقال شعرا يترضاه به :
حدّثني جعفر قال :
غضب هذا الغلام على عبد اللَّه بن المعتزّ ؛ فجهد في أن يترضّاه ، فلم تكن له فيه حيلة . فدخلت إليه فأنشدني فيه :
بأبي أنت قدتما
ديت في الهجر والغضب
/ واصطباري على صدو
دك يوما من العجب
ليس لي إن فقدت وج
هك في العيش من أرب
رحم اللَّه من أعا
ن على الصلح واحتسب
قال : فمضيت إلى الغلام ؛ ولم أزل أداريه وارفق به حتى ترضّيته وجئته به ، فمرّ لنا يومئذ أطيب يوم
هامش
( وكشقارى ) كما نبه عليه المصحح على حاشية هذه المادة في نسخة « القاموس » المطبوعة ببلاق سنة 1303 .
بقي قول شارح « القاموس » إن ( الجنابي ) وردت بتشديد النون وبالمد أيضا في « لسان العرب » . ولعلها وردت كذلك ؟ ؟ ؟ طة بالقلم في النسخة التي كانت عنده ؛ فإن النسخة التي بأيدينا ليس فيها إلا ما ذكرناه .
وبعد ، فتشديد هذه الفظة في البيت إما أن يكون عن لغة فيها محكية اطلع عليها ابن المعتز أو عن خطأ شاع بين المولدين فجرت به ألسنة الشعراء . واللَّه أعلم اه « .
[ 1 ] في « معاهد التنصيص » طبع بلاق سنة 1274 ص 194 : « جنابي من باكورة باقلاء » .
[ 2 ] في « معاهد التنصيص » : « من جدّ » وهي رواية جيدة .