لما اشتراها رسل يزيد ورحلوا بها غنت مشيعيها عند سقاية سليمان بن عبد الملك
: أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا عبد اللَّه بن أبي فروة قال :
قدمت رسل يزيد بن عبد الملك المدينة فاشتروا سلَّامة المغنّية من آل رمّانة بعشرين ألف دينار . فلما خرجت من ملك أهلها طلبوا إلى الرّسل أن يتركوها عندهم أيّاما ليجهّزوها بما يشبهها من حليّ وثياب وطيب وصبغ . فقالت لهم الرسل : هذا كلَّه معنا لا حاجة بنا إلى شيء منه ، وأمروها بالرّحيل . فخرجت حتى نزلت سقاية سليمان بن عبد الملك وشيّعها الخلق من أهل المدينة ، فلما بلغوا السّقاية قالت للرسل : قوم كانوا يغشونني / ويسلَّمون عليّ ، ولا بدّ لي من وداعهم والسلام عليهم ، فأذن للناس عليها فانقضّوا حتى ملئوا رحبة القصر [ 1 ] ووراء ذلك ؛ فوقفت بينهم [ 2 ] ومعها العود ، فغنّتهم :
فارقوني وقد علمت يقينا
ما لمن ذلق ميتة من إياب
إنّ أهل الحصاب قد تركوني
مولعا موزعا بأهل الحصاب
أهل بيت تتايعوا [ 3 ] للمنايا
ما على الدهر بعدهم من عتاب
سكنوا الجزع جزع بيت أبي مو
سى إلى النخل من صفيّ السّباب [ 4 ]
كم بذاك الحجون [ 5 ] من حيّ صدق
وكهول أعفّة وشباب
قال عيسى [ 6 ] : وكنت في الناس ، فلم تزل تردّد هذا الصوت حتى راحت ؛ وانتحب الناس بالبكاء عند ركوبها ، فما شئت أن أرى باكيا إلَّا رأيته .
كلفت الأحوص أن يحتال لدخول الغريض على يزيد حين قدم معه إلى دمشق
: أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال :
وجّه يزيد بن عبد الملك إلى الأحوص في القدوم عليه ، وكان الغريض معه ، فقال له : اخرج معي حتى آخذ لك جائزة أمير المؤمنين وتغنّيه ؛ فإنّي لا أحمل إليه شيئا هو أحبّ إليه منك ، فخرجا . فلمّا قدم الأحوص على يزيد جلس له ودعا به . فأنشده مدائح فاستحسنها ، وخرج من عنده ؛ فبعثت إليه سلَّامة جارية يزيد بلطف . فأرسل إليها :
إن الغريض عندي قدمت به هديّة إليك . فلمّا جاءها الجواب اشتاقت إلى الغريض وإلى الاستماع منه . فلمّا دعاها أمير المؤمنين تمارضت وبعثت إلى الأحوص : إذا دعاك أمير المؤمنين فاحتل له في أن تذكر له الغريض . فلما دعا يزيد الأحوص قال له يزيد : ويحك يا أحوص ! هل سمعت شيئا في طريقك تطرفنا به ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ،
هامش
[ 1 ] لعله يريد قصر سعيد بن العاص وهو بجوار المدينة . ( انظر الكلام عليه في « الأغاني » ج 1 من هذه الطبعة في الكلام على أبي قطيفة ) .
[ 2 ] في « أ ، م » : « فوقفت فيهم » .
[ 3 ] تتابعوا : تهافتوا . ( انظر الحاشية رقم 8 ص 321 ج 1 من هذه الطبعة ) .
[ 4 ] صفيّ السباب : موضع بمكة . ( انظر الحاشية رقم 3 ص 322 ) .
[ 5 ] الحجون : جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها .
[ 6 ] كذا في الأصول . ولم يتقدّم لعيسى ذكر في هذا الخبر .