حيّيت من طلل تقادم عهده
أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم
كيف المزار وقد تربّع أهلها
بعنيزتين [ 1 ] وأهلنا بالغيلم
/ إن كنت أزمعت الفراق فإنما
زمّت ركابكم بليل مظلم
شربت بماء الدّحرضين [ 2 ] فأصبحت
زوراء تنفر عن حياض الدّيلم
غناء نافع بن طنبورة
: قالت : ما رأيت شيئا أشبه بغنائكم من اتّفاق أرواحكم . ثم أقبلت على نافع بن طنبورة فقالت : هات يا نقش الغضار [ 3 ] ويا حسن اللسان ؛ فاندفع يغنّي :
يا طول ليلي وبتّ لم أنم
وسادي الهمّ مبطن سقمي
أن قمت يوما على البلاط فأب
صرت رقاشا وليت لم أقم
فقالت جميلة : حسن واللَّه - ولابن سريج في هذا اللحن أربعة أبيات في صوت -
غناء مالك بن أبي السمح
: ثم قالت : يا مالك هات ؛ فإنّي لم أؤخّرك لأنك في طبقة آخرهم ، ولكنّي أردت أن / أختم بك يومنا تبرّكا بك وكي يكون أوّل مجلسنا كآخره ووسطه كطرفه ، وإنك عندي ومعبدا لفي طريقة واحدة ومذهب واحد ، لا يدفع ذلك إلا ظالم ولا ينكره إلا عاضل . الحقّ أقول ، فمن شاء فلينكر ؛ فسكت القوم كلَّهم إقرارا لما قالت . واندفع يغنّي :
عدوّ لمن عادت وسلَّم لسلمها
ومن قرّبت سلمى أحبّ وقرّبا
هبيني امرأ إمّا بريئا ظلمته
وإمّا مسيئا تاب بعد [ 4 ] وأعتبا
أقول التماس العذر لمّا ظلمتني
وحمّلتني ذنبا وما كنت مذنبا
ليهنئك إشمات العدوّ بهجرنا
وقطعك حبل الوصل حتى تقضّبا
اليوم الثاني من أيام المدينة وغناء طويس
: قالت جميلة : ليت صوتك يا مالك قد دام لنا ودمنا له . وقطعت المجلس وانصرف عامّة الناس وبقي خواصّهم .
فلما كان اليوم الثاني حضر القوم جميعا . فقالت لطويس : هات يا أبا عبد النّعيم . قال : فأنكر ما فعلت جميلة في
هامش
[ 1 ] عنيزة : موضع بين البصرة ومكة . والغيلم : موضع في ديار بني عبس .
[ 2 ] الياء بمعنى « من » أي شربت من ماء الدحرضين . والدحرضان : اسم موضع ، وقيل : هما وسيع ودحرض . ماءان ثناهما بلفظ الواحد كما يقال القمران للشمس والقمر . فدحرض لآل الزبرقان بن بدر ، ووسيع لبني أنف الناقة . والديلم : الأعداء ، وقيل : حياض الديلم بالغور ، أو ماءة لبني عبس ، وفيه غير ذلك أقوال كثيرة يرجع إليها في « اللسان » ( مادة دلم ) وفي « شرح التبريزي على المعلقات » .
[ 3 ] الغضار : الطين اللازج الأخضر ، وهو لقب له .
[ 4 ] كذا في « نهاية الأرب » للنويري ( ج 5 ص 47 من طبعة دار الكتب المصرية الطبعة الأولى ) . وفي الأصول : « منه » .