وحشيّة فلقيا الرّعيان وكمنّا في جبل من الجبال . فجعل خليفة ينزل فيتعرّض لرعيان الشّاء فيسألهم عن راعي وحشيّة [ 1 ] ، حتى لقي غلامها وغنمها ؛ فواعدهم موعدا وسألهم ما حال وحشيّة ؟ فقال غلامها : هي واللَّه بشرّ ! لا حفظ اللَّه بني قشير ولا يوما رأيناهم فيه ! فما زالت عليلة منذ رأيناهم - وكان بها طرف مما بابن الطَّثريّة - فقال :
ويحك ! فإنّ هاهنا إنسانا يداويها ، فلا تقل لأحد غيرها . قال : نعم إن شاء اللَّه تعالى . فأعلمها الراعي ما قال له الرجل حين صار إليها . فقالت له : ويحك ! فجيء به . ثم إنه خرج فلقيه بالغد فأعلمه ، وظلّ عنده يرعى غنمه ، وتأخّر عن الشاء حتى تقدمته الشاء وجنح الليل ، وانحدر بين يدي غنمه حتى أراحها [ 2 ] . ومشى فيها يزيد حتى [ 3 ] قربت من البيت على أربع وتجلَّل شملة سوداء بلون شاة من الغنم ؛ فصار إلى وحشية ، فسرّت به سرورا شديدا ، وأدخلته سترا لها وجمعت عليه من الغد من تثق به من صواحباتها وأترابها . وقد كان عهد إلى ابن عمّه أن يقيم / في الجبل ثلاث ليال ، فإن لم يره فلينصرف . فأقام يزيد عندها ثلاث ليال ورجع إلى أصحّ ما كان عليه ، ثم انصرف فصار إلى صاحبه . فقال : ما وراءك يا يزيد ؟ ورأى من سروره وطيب نفسه ما سرّه . فقال :
لو أنّك شاهدت الصّبا يا بن بوزل
بفرع الغضى إذ راجعتني غياطله [ 4 ]
لشاهدت لهوا بعد شحط من النّوى
على سخط الأعداء حلوا شمائله
صوت
ويوما كإبهام [ 5 ] القطاة مزيّنا
لعيني ضحاه غالبا لي باطله
غنى في البيت الثالث وبعده البيت الثاني ، وروايته :
تشاهد لهوا بعد شحط من النوى مخارق ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش .
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا عبد اللَّه بن عمرو قال حدّثني عليّ بن الصبّاح قال :
قال أبو محضة [ 6 ] الأعرابيّ وأنشد هذه الأبيات ليزيد / بن الطَّثرية ، فلمّا بلغ إلى قوله :
بنفسي من لو مرّ برد بنانه
على كبدي كانت شفاء أنامله
ومن هابني في كل أمر وهبته
فلا هو يعطيني ولا أنا سائله
طرب [ 7 ] لذلك وقال : هذا واللَّه من مغنج الكلام .
هامش
[ 1 ] في ب ، س ، ح : « عن راعى وحشية وحالها حتى لقي ألخ » .
[ 2 ] كذا في « تجريد الأغاني » . وفي « الأصول » : « حتى أراحوا » .
[ 3 ] كذا « في الأصول » ولعله : « حين » .
[ 4 ] الغياطل : جمع غيطلة وهي الظلمة المتراكمة ، استعارهاهنا لجهالات الصبا .
[ 5 ] يضرب المثل في القصر بإبهام القطا وكذلك بإبهام الحباري والضب .
[ 6 ] في « تجريد الأغاني » : « أبو محيصة » .
[ 7 ] في « الأصول » : « فطرب » بالفاء .