كانت متيّم ذات يوم جالسة بين يدي المعتصم ببغداد وإبراهيم بن المهديّ حاضر ؛ فغنّت متيّم في الثقيل الأوّل :
لزينب طيف تعتريني طوارقه
هدوّا إذا ما النّجم لاحت لواحقه
فأشار إليها إبراهيم أن تعيده ؛ فقالت متيّم للمعتصم : يا سيّدي ، إبراهيم يستعيدني الصوت وكأنه يريد أن يأخذه ؛ فقال لها : لا تعيديه . فلما كان بعد أيام كان إبراهيم حاضرا مجلس المعتصم ومتيّم غائبة ، فانصرف إبراهيم بعد حين إلى منزله ومتيّم في منزلها بالميدان [ 1 ] وطريقه عليها وهي في منظرة لها مشرفة على الطريق وهي تغنّي هذا الصوت / وتطرحه على جواري عليّ بن هشام ؛ فتقدّم إلى المنظرة وهو على دابّته فتطاول حتى أخذ الصوت ، ثم ضرب باب المنظرة بمقرعته وقال : قد أخذناه بلا حمدك .
طلبها المأمون من علي بن هشام فلم يرض
: وقال ابن المعتزّ : وحدّثت أنّ المأمون سأل عليّ بن هشام أن يهبها له وكان بغنائها معجبا [ 2 ] ؛ فدفعه بذلك ولم يكن له منها ولد . فلما ألحّ المأمون في طلبها حرص عليّ على أن تعلق منه حتى حبلت ويئس المأمون منها . فيقال إن ذلك كان سببا لغضبه عليه حتى قتله .
كان المعتصم يمازحها
: وحدّثني سليمان [ 3 ] الطَّبّال أنه رأى متيّم في بعض مجالس المعتصم يمازحها ويجبذ بردائها .
غنت علي بن هشام صوتا أراد إسحاق انتحاله فعوّضه عنه ببرذون
: وحكى عليّ بن محمد الهشاميّ قال :
أهدي إلى عليّ بن هشام برذون أشهب قرطاسيّ [ 4 ] وكان في النّهاية من الحسن والفراهة ، وكان عليّ به معجبا ، وكان إسحاق يشتهيه شهوة شديدة ، وعرّض لعليّ بطلبه مرارا فلم يرض أن يعطيه له . فسار إسحاق إلى عليّ يوما بعقب / صنعة متيّم « فلا زلن حسرى » فاحتبسه عليّ وبعث إلى متيّم أن تجعل صوتها هذا في صدر غنائها ففعلت ، فأطرب إسحاق إطرابا شديدا ، وجعل يستردّه ، فتردّه وتستوفيه ليزيد في إطرابه إسحاق وهو يصغي إليها ويتفهّمه حتى صحّ له . ثم قال لعليّ : ما فعل البرذون الأشهب ؟ قال : على ما عهدت من حسنه وفراهته . قال :
فاختر الآن منّي خلَّة من اثنتين : إما أن طبت لي نفسا به وحملتني عليه ، وإما أن أبيت فأدّعي واللَّه هذا الصوت لي وقد أخذته ، أفتراك تقول : إنه لمتيّم وأقول : إنه لي ويؤخذ قولك / ويترك قولي ؟ ! قال : لا واللَّه ما أظنّ هذا ولا أراه ؛ يا غلام قد [ 5 ] البرذون إلى منزل أبي محمد بسرجه ولجامه ، لا بارك اللَّه له فيه ! .
هامش
[ 1 ] شارع الميدان : محلة ببغداد وهي بشرقي بغداد بباب الأزل .
[ 2 ] في الأصول : « محسنا » .
[ 3 ] في أ ، م : « سلمان » .
[ 4 ] القرطاسي : الأبيض الذي لا يخالط بياضه شية .
[ 5 ] كذا في « نهاية الأرب » ( ج 5 ص 63 طبعة أولى ) وفي الأصول : « قدم البرذون » .