كنا عند أمير المؤمنين الرشيد يوما فقال الغلام الذي على الستارة : يا بن جامع ، تغنّ ببيت السّعديّ [ 1 ] :
فلو سألت سراة الحيّ سلمى
على أن قد تلوّن بي زماني
لخبّرها ذو والأحساب عنّي
وأعدائي فكلّ قد بلاني
بذبّي الذمّ عن حسبي بمالي [ 2 ]
وزبّونات أشوس تيّحان [ 3 ]
وأني لا أزال أخا حروب
إذا لم أجن كنت مجنّ جاني
قال : فحرّك ابن جامع رأسه - وكان إذا اقترح عليه الخليفة شيئا قد أحسنه وأكمله طار فرحا - فغنّى به ؛ فاربدّ وجه إبراهيم لمّا سمعه منه ، وكذا كان ابن جامع أيضا يفعل ؛ فقال له صاحب الستارة : أحسنت واللَّه يا أميري ! أعد فأعاد ؛ فقال : أنت في حلبة لا يلحقك أحد فيها أبدا . ثم قال صاحب الستارة لإبراهيم : تغنّ بهذا الشعر فتغنّى ؛ فلما فرغ قال : « مرعى ولا كالسّعدان » [ 4 ] ! أخطأت [ 5 ] في موضع كذا / وفي موضع كذا . فقال : نفي إبراهيم من أبيه إن كان يا أمير المؤمنين / أخطأ حرفا ، وقد علمت أني أغفلت في هذين الموضعين .
قال إبراهيم : فلما انصرفنا قلت لابن جامع : واللَّه ما أعلم أنّ أحدا بقي [ 6 ] في الأرض يعرف هذا الغناء معرفة أمير المؤمنين . قال : حقّ واللَّه ، لهو إنسان يسمع الغناء منذ عشرين سنة مع هذا الذكاء الذي فيه .
صوت كان إذا غناه في مجلس لم يتغن بغيره :
قال إسحاق :
كان ابن جامع إذا تغنّى في هذا الشعر :
صوت
من كان يبكي لما بي
من طول سقم رسيس [ 7 ]
هامش
[ 1 ] هو سوّار بن المضرب السعدي .
[ 2 ] كذا ورد هذا الشطر في الأصول . وروايته في « لسان العرب » مادة ( تيح ) :« بذبي اليوم . . . ». وفي مادة ( زبن ) :« بذبي الذم عن أحساب قومي ».
[ 3 ] كذا في س و « لسان العرب » و « الصحاح » ( مادتي زبن وتيح ) . وقد صححها كذلك المرحوم الشيخ الشنقيطي بقلمه على هامش نسخته . وزبونات : جمع زبونة وهي الكبر . يقال : رجل فيه زبونة أي كبر ، وذو زبونة أي مانع جانبه . ويقال : الزبونة من الرجال :
المانع لما وراء ظهره . وقال ابن بري : زبونات : دفوعات ، واحدها زبونة ، يعني بذلك أحسابه ومفاخره أي أنها تدفع غيرها .
والأشوس : الذي ينظر بمؤخر عينه من الكبر . والتيحان ( بكسر الياء المشددة وفتحها ) : الذي يتعرض لكل مكرمة وأمر شديد . وفي سائر الأصول :« ودبوسات أشوس . . . ».
[ 4 ] قال أبو حنيفة الدينوري : من الأحرار السعدان وهي غبراء اللون حلوة يأكلها كل شيء وليست بكبيرة ولها إذا يبست شوكة مفلطحة كأنها درهم . ومنبته سهول الأرض ، وهو من أنجع المراعي في المال ، ولا تحسن على نبت حسنها عليه . قال النابغة :الواهب المائة الأبكار زينها
سعدان توضح في أوبارها اللبدوهذا مثل يضرب للشيء يفضل على أقرانه وأشكاله . ( راجع « مجمع الأمثال » ج 2 ص 191 و « اللسان » مادة سعد ) .
[ 5 ] في ب ، س : « لم أخطأت » .
[ 6 ] في ح : « يغني » .
[ 7 ] الرسيس : الثابت الذي قد لزم مكانه . ويقال : رس السقم في جسمه وقلبه رسيسا إذا دخل وثبت .