الاستغفار لعمه أبي طالب (وأبيه عبد الله)! وصارت جزءاً من العقائد عندهم بحيث أن من يؤمن بالله واليوم الآخر وبنبوة النبي صلوات الله عليه واله، ويؤمن بالملائكة، عليه أيضًا أن يؤمن بكفر أبي طالب!
وهكذا ففي كل بحث تجد أنهم أحضروا هذه القضية، ففي بحث المعاد ويوم القيامة وهل تنفع الأنساب آنئذ أو لا؟ قالوا: إنه لا تنفع الأنساب والشاهد على ذلك أن أبا طالب لا ينفعه نسبه مع النبي!
وكأن هذه القضية يدور عليها محور العلم والمعرفة الدينية! ولكنه التأكيد الدائم وتكرار المعلومة حتى تتحول إلى ثقافة بل إلى عقيدة لا مجال لمناقشتها وبحثها!
كيف نعرف إيمان أبي طالب؟
لو طرحنا هذا السؤال على العقلاء! نريد أن نتعرف على شخص من الأشخاص، ما هي عقيدته؟ ما أفكاره؟ ما التزاماته السلوكية والعبادية؟ فيا أيها العقلاء كيف نستطيع التعرف عليه؟
وهذا لا يختص بالتاريخ أو بالعقائد بل يشمل حتى قضايا الزواج ومحاولات التعرف على من يتقدم لخطبة ابنتك مثلاً!
يفترض أن جواب العقلاء سيكون؛ إن التعرف على شخص يتم بواحد أو أكثر من الوسائل والطرق التالية:
الوسيلة الأولى: التعرف عليه من خلال كلماته، فإن كلام الإنسان في الغالب يعبر عن ثقافته ونظرته للحياة ومعارفه عنها، وربما كان شارحاً لطريقة حياته أيضا..
إن الاستماع إلى كلام شخص يحدد ـ عادة ـ مستواه العلمي والفكري، ويبين للمستمع عقائد المتكلم ورؤيته. وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام (تكلموا تُعرفوا فإن المرء مخبوءٌ تحت طي لِسانه).
الوسيلة الثانية: هو أن نذهب إلى أهله وأسرته والقريبين منه، لكي ننظر كيف كان معروفا في أهله؟ وبأي الاتجاهات يذكرونه، فإن الأسرة عادة تكون أقرب الناس إلى أفرادها، وبالتالي أعرف الناس بهؤلاء الأفراد نظراً لطول الخلطة والمعاشرة. فإذا صدَقوا السائلَ القولَ فإن بإمكانهم أن يعطوا رؤية واضحة وصورة حقيقية عن الشخص المسؤول عنه.
الوسيلة الثالثة: أن نرى سلوكه في حياته، ماذا كان يعمل؟ ومن كان يوالي ويسير في ركابه ومن يتبرأ منه وينفصل عنه؟ ما هي أعماله؟ هل سيرته سيرة صالحي الناس أو الفاسدين منهم؟ بماذا يتمدح ويفتخر؟
الوسيلة الرابعة: من الخطأ أن نحاول التعرف عليه من خلال كلمات أعدائه ووصف خصومه فإنهم في العادة لا ينصفون من يعاديهم إلا أن يكون هؤلاء الواصفين معصومين أو عدولاً لا تأخذهم العواطف جانب الحيف والظلم وأن يصفوه بما ليس فيه!
هذه الوسائل التي ذكرناها لا تختص بشخص دون آخر ولا فترة تاريخية دون غيرها، وإنما هي طرق عقلائية يسلكها - كلها أو بعضها - العقلاء في كل الأزمنة للتعرف على الأشخاص.
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب — صفحة 59
مساهمون: فوزي آل سيف
ص٥٩