فإذا كان في زمان الامام السجاد كان هناك (قوماً يزعمون أنه كفره)، فإن تعبير الروايات في زمان الامام الصادق عليه السلام أصبح (الناس يقولون) وتعبير الناس هنا قد يكون تعبيراً مجرداً يفيد الكثرة وهو ما يعادل اصطلاح (الجماهير) في هذا الزمان، أو أن يكون كما يراه بعض الباحثين[126]من أنه يعني الرأي الرسمي الذي تتبناه الخلافة وتبشر به. وقد ورد هذا النحو من التعبير في أكثر من رواية منها ما رواه يونس عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: يا يونس، ما يقول الناس في أبي طالب؟
قلت: جعلت فداك يقولون: هو في ضحضاح من نار يغلي منها اُمّ رأسه فقال: كذب أعداء الله، إنّ أبا طالب من رفقاء النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن اُولئك رفيقاً.[127]
وكذلك نجده في رواية عبد الرحمن بن كثير: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: إنّ الناس يزعمون أن أبا طالب في ضحضاح من نار، فقال: كذبوا، ما بهذا نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله، قلت: وبما نزل؟ قال: أتى جبرائيل في بعض ما كان عليه، فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يقرئك السلام ويقول لك: إن أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرّتين، وإن أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك فأتاه الله أجره مرّتين، وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله تعالى بالجنة، ثم قال: كيف يصفونه بهذا؟ وقد نزل جبرائيل ليلة - ليلة مات أبو طالب - فقال: يا محمد، اخرج من مكة، فمالك بها ناصر بعد أبي طالب[128].
تحويل قضية إيمان أبي طالب إلى قضية عقدية:
نعتقد أن الاتجاه الأموي في الأمة لم ينته بسقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية، وإنما استمرت أفكاره وأصوله، في تيار مدرسة الخلفاء وظهرت في كتب الحديث والرجال، وربما تماهى وتعاون مع بعض الخلفاء العباسيين الذين كانت لهم اتجاهات مبغضة لأهل البيت عليهم السلام. ونشط هذا الاتجاه ناشراً فروعه على نفس الأصول السابقة، فقد لاحظنا في بعض رجاليي تلك المدرسة ومحدثيها، إسقاطهم من كان يظهر ميلاً لأهل البيت حتى أصبح التشيع لهم تهمة! والمحبة لهم تضعيفاً! وهكذا.
وآنئذ فلا غرابة أن ينقل المحدثون روايات عن الخوارج والنواصب المعادين لأهل البيت عموماً ولعلي أمير المؤمنين عليه السلام خصوصاً، لكنهم (يحتاطون ويتحرجون) من النقل والرواية عن مثل الإمام الصادق والهادي والعسكري عليهم السلام!!
وانعكس هذا على موضوع أبي طالب وقضية إيمانه! فالمفروض على مبانيهم أن تكون القضية تاريخية قابلة للأخذ والرد، وحاصلها أن شخصاً عاش في فترة بعثة النبي ودافع عنه.. هل آمن به قبل أن يموت أو لا؟ وهذه القضية ضمن هذه الحدود قضية تاريخية ينظر فيها إلى الروايات التاريخية والقرائن التي تنتهي بالباحث إلى أحد الرأيين.. لكننا وجدنا الأمر أبعد من ذلك فهم في التفسير يوردونها باعتبار أن آية (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)[129]، وفي ما يرتبط بشفاعة النبي يوردونها فهو يقولون إن الكفار والمنافقين لا تغني عنهم الشفاعة ولا تنفعهم ولذلك - كما يزعمون - نهي عن
هامش
126 ) قد يستفاد ذلك من استعمالات الروايات لهذه اللفظة ومنها ما (عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: ما سمعته مني يشبه قول الناس فيه التقية، وما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه) وسائل الشيعة (الإسلامية)، ج ١٨، الحر العاملي، ص ٨٨
127 ) ايمان أبي طالب (الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب)، فخار بن معد الموسوي، ص ٨٢
128 ) المصدر السابق ص84
129 ) سورة القصص: 56