السلام مع أن الطريق يقضي عليهم بالاجتماع، فكان يتخلف إذا سار الحسين، ويسير إذا تخلف لأنه لم يكن أبغض عليهم من مسايرته عليه السلام ، إلى أن اضطروا إلى النزول على ماء سوية، ولم يجدوا بدا من البقاء، ولكنه بقاء غير الراغب في اللقاء، فنصبوا خيامهم بعيدا عن محل نزول الحسين عليه السلام .
يقول أحدهم([161]): فبينا نحن جلوس نتغدى من طعام لنا إذا أقبل رسول الحسين حتى سلّم ثم دخل فقال: يا زهير بن القين إن أبا عبد الله الحسين بن علي بعثني إليك لتأتيه قال فطرح كل إنسان ما في يده حتى كأننا على رؤوسنا الطير..
ها هو يواجه الصراع الذي هرب منه وتخفى!! لم تنفع إذن محاولات دفع الأمور إلى الأمام وتأجيل البت فيها، وتأخير القرار.. ماذا يصنع؟ كل هذه السنوات وهو في حالة هروب.. وهاهو يصطدم بما كان قد هرب منه وجها لوجه.
هنا تنفع الكلمة الطيبة، هنا تحيا النفوس وقد تموت!! هنا يكون الخيار بين الشجرة الطيبة المثمرة، وتلك المجتثة من الأرض والتي لا تنتج غير الرماد!!
كثيراً ما يتوقف التحول الكيميائي على شيء (كتيار كهربائي) حتى يخلق من الغاز والهواء المبعثر في الأفق ماء تحيا به الأرض بعد موتها.. وكان التحول في نفس زهير متوقفا على ذلك التيار الضوئي وكانت كلمات دلهم زوجته، ذلك التيار. كانت الحزمة الدافعة التي حركته بالاتجاه الصحيح. وكانت أفضل هدية قدمتها إليه في حياتهما المشتركة التي ربما استمرت قرابة أربعين سنة هي تلك الكلمات..
قال أبو مخنف فحدثتني دلهم بنت عمرو امرأة زهير بن القين، قالت: فقلت له: أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه؟؟ سبحان الله لو أتيته فسمعت من كلامه ثم انصرفت.
فأتاه زهير بن القين فما لبث أن جاء مستبشرا قد أسفر وجهه..
لقد انتهى الصراع وحُسم، وتلك الغمامة التي كانت تحجب إشراقة الوجه، والكدر الذي كان انعكاسا للصراع الداخلي المستمر، قد تغير إلى وضوح تماما كما هو وضوح الموقف.
قالت دلهم: فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فقدم وحمل إلى الحسين. وقد رافقه في ذلك سلمان بن مضارب البجلي.
ثم قال لامرأته أنت طالق الحقي بأهلك فإني لا أحب أن يصيبك من سببي إلا خير ثم قال لأصحابه من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد إني سأحدثكم حديثاً غزونا بلنجر ففتح الله علينا وأصبنا
هامش
161 ) ذكر أطراف اللقاء أبو مخنف الأزدي في المقتل ونقل عنه الطبري في تأريخه.