تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كاظم الغيظ الامام موسى بن جعفر عليه السلام — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
إذا سئل، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي يكون فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شيء فهو أحمق). وهذه هي التي تؤهل الشخص للتصدر في المجالس لا الثياب الغالية أو الهيئة العالية أو المال الكثير أو المنصب المهم، ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام متمما: (لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو واحدة منهن، فمن لم يكن فيه شيء منهن فجلس فهو أحمق). 14/ وعلامات أُخر في السلوك الاجتماعي، للعاقل لو فكر فيها الانسان لاجتنب الكثير من الاخفاقات والاحباطات، يقول عليه السلام: يا هشام إن العاقل: ـ لا يحدّث من يخاف تكذيبه، (فما الداعي لأن تنقل شيئا لشخص لن يلبث أن يشكك في كلامك أو يجبهك بالتكذيب في وجهك؟ العاقل ينتخب من يضع معلوماته عنده!) ـ ولا يسأل من يخاف منعه (فبإمكانك أن تعرف أن هذا الشخص يحتمل أن يرفضك ويرد مطلبك.. فماذا انتفعت من سؤالك وطلبك منه؟ غير الذلة والحرج وربما تحقق الفتور في العلاقة إن لم يكن العداوة). ـ ولا يعد ما لا يقدر عليه (فلا ينبغي أن تأخذك الخفة وتعطي السماء بيد والأرض بأخرى، وعلى طريقة أبشر لأملأنها لك خيلا ورجالا.. ثم إذا عدت إلى إمكاناتك وجدت نفسك خاليا، ووجدت وعدك في الهواء؟ لا تعد بما لا تقدر عليه وإن كان لا بد أن تقول شيئا فقل أصنع ما أستطيعه! أو أرجو أن أوفق للقيام بذلك الأمر.. وهكذا) ـ ولا يرجو ما يعنف برجائه (لا تبالغ في توقعاتك من الآخرين فإما أنك لم تفهم مشاعرهم تجاهك! أو أنك لم تقدر إمكاناتهم الحقيقية، وكان رجاؤك فوق ما يستطيعون أو ما يريدون بكثير!) ـ ولا يقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه (وإنما يقدم على الأشياء والفرص بحسب إمكاناته وقدراته، فليس في كل مطر لك زرع! ولا في كل سوق لك بضاعة!). إن الغرض الأساس من هذه الوصية هو توجيه هشام ومن بعده شيعة الإمام عليه السلام إلى منزلة العقل، وكيفية تنميته وإعطاء المقاييس التي من خلالها يتعرف إلى سلوك العقلاء، وبماذا يتم العقل ويكمل! التغفيل وكمال العقل: إننا نجد ـ وبالذات في هذه الفترات ـ أشكال التحايل المالي والعاطفي والجنسي والسياسي، ما يعظم الحاجة إلى تنمية العقل وتحكيمه في كل مفاصل الحياة، فكم سمعنا عن أشخاص بنوا ثروات ثم إذا بها تذهب أو يذهب أكثرها على أثر حيلة استغفل من خلالها أصحاب الحيلة هذا الشخص أو ذاك فإذا به تحت بروق المطامع والشهوات يهوي صريعا مفلسا! وتتساءل: هل يعقل أن يكون هذا الشخص قد سقط هذه السقطة الكبيرة؟ ومثل ذلك ترى في الأمر العاطفي والجنسي وكيف أضاع أشخاص شخصياتهم وأعمارهم وأعمالهم على أثر (سقوط العقل) عن التحكم في قراراتهم (فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ). بل على أثر الاستغفال في الجانب السياسي كان مصيرهم أسوأ مما يتصور! وكل ذلك كان يمكن النجاة منه والخلاص لو أنهم اعتصموا بعروة العقل وكانت (لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا).