تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كاظم الغيظ الامام موسى بن جعفر عليه السلام — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
4/ وإذا كان أولو الأموال في نظر أهل الدنيا هم أصحاب الحظوظ والسعادة، فإن أولي الألباب والعقول في النظرة الالهية هم أصحاب الخير والحظ الكبير. ولذلك لا بد من تغيير المفاهيم فإنه على أثرها تتغير الحركة والسلوك فهل البحث عن المال هو هدف هذه الحياة أو تحصيل العقل؟ فإذا كانت الدنيا بمثابة بحر عميق فإنك تحتاج فيها إلى سفينة صالحة، وإذا كان لكل سفينة قيّمٌ وملاح فإن قائد هذه السفينة هو العقل[160]. 5/ في ترتيب بديع قال الإمام عليه السلام لهشام: دليل العقل هو التفكر.. لكن كيف نحصل على التفكر؟ دليل التفكر هو الصمت، فإن من يكثر كلامه ولغطه لا يعطي لعقله فرصة للتفكر! وإذا كان كل شيء يحتاج لمطية تعينه وتنقله فإن مطية العقل هي التواضع. وفي أروع جمع لحجج الله على الخلق قال عليه السلام: إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة - عليهم السلام -، وأما الباطنة فالعقول.. فأعلى قيمة العقل لكي يساويه بالأنبياء والرسل والأئمة، ولكيلا تكون لأحد حجة في أنه لم يصله التوجيه الرسالي ما دام نداء العقل مصاحبا له أينما كان![161] 6/ في تعريف مختصر للعاقل ببعض صفاته قال: "إن العاقل (هو)الذي لا يشغل الحلالُ شكرَه، ولا يغلب الحرامُ صبرَه.." ويعود ليبين ما يهدم العقل ويلغي دوره فيقول إن تلك المهدمات هي: طول الأمل / وكثرة الكلام / وشهوات النفس.. فإذا اجتمعت هدمت العقل! "من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله: من أظلم نور تفكره بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله، أفسد عليه دينه ودنياه". 7/ ومن أهم علائم العقل: علاقة العبد بربه فإن كان مطيعا لربه فهو العاقل وإن كان مطيعا لهواه فيا ضيعة العقل! إن من أنس بالله ورغب فيما عنده كان الله صاحبه وغناه وعزه! لذا ترى الإمام عليه السلام يوصي تلميذه بأن يعزب عن طاعة الهوى ويجدّ في طاعة الاله فيقول (يا هشام كيف يزكو عند الله عملك، وأنت قد شغلت قلبك عن أمر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك. يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند الله، وكان الله انسه في الوحشة، وصاحبه في الوحدة، وغناه في العيلة، ومعزه من غير عشيرة).
هامش
160 ) يا هشام ثم ذكر اولي الألباب بأحسن الذكر، وحلاهم بأحسن الحلية، فقال: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269 البقرة) ". وقال (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7 آل عمران) " وقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190 آل عمران). وقال: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19الرعد) " وقال أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9 الزمر) ". وقال: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29 الزمر) ". وقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54 غافر) وقال: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55 الذاريات). يا هشام إن الله تعالى يقول في كتابه: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ (37 ق) " يعني: عقل: " وقال " وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ (12 لقمان) "، قال: الفهم والعقل. يا هشام إن لقمان قال لابنه: تواضع للحق تكن أعقل الناس، وإن الكيس لدى الحق يسير، يا بني إن الدنيا بحر عميق، قد غرق فيها عالم كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان وشراعها التوكل، وقيمها العقل ودليلها العلم، وسكانها الصبر. 161 ) يا هشام إن لكل شيء دليلا ودليل العقل التفكر، ودليل التفكر الصمت، ولكل شئ مطية ومطية العقل التواضع وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه. يا هشام ما بعث الله أنبياء ه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا، وأكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة. يا هشام إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة - عليهم السلام -، وأما الباطنة فالعقول.
كاظم الغيظ الامام موسى بن جعفر عليه السلام — صفحة 54 | فوزي آل سيف