تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كاظم الغيظ الامام موسى بن جعفر عليه السلام — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
حنيفة النعمان، ومذهب متميز في المدينة سيكون على رأسه مالك بن أنس، وفي موضوع العقائد سيتميز الاتجاهان ؛ العقلي والحديثي في مذهبي المعتزلة والاشاعرة [154].. وفي هذين الصراعين الفكريين كان دور العقل ومعرفته مبالغا فيه إفراطا وتفريطا، ففيهما أقحم أصحاب الرأي العقل في ساحة أكبر من ساحته الحقيقية وأدخلوه إلى حريم العبادات والأحكام التي يفترض فيها التسليم وإعلان العجز عن فهم فلسفتها وعللها، ورفع راية الخضوع تعبدا. منع الاتجاه الآخر العقل من أي دور له، وأغلقوا عليه بالمزلاج، وأعطوه إجازة في كل مورد جاء فيه (خبرٌ)وإن كان العقل يحيله، ولا يقبله! وأوضح من ذلك جرى الأمر في أصول العقائد والمعارف الكبرى. فيما يرتبط بالمدرستين: الاعتزال والأشعرية. فكانت هذه الوصية من هذا الإمام العظيم لهذا العقل الكبير، والعالم العيلم بمثابة تحديد ما للعقل وما عليه، وما ينبغي أن يكون فيه وما لا بد له من اجتنابه! 2/ كذلك نعتقد أن الموضوع السياسي لم يكن غائبا عن خلفيات هذه الوصية بالتعقل والبناء على الجري وراء أحكام العقل في السياسة والمجتمع! فبينما كانت الأحداث السياسية في أشد عنفوانها بل عنفها، لا سيما أيام الحكام الأعنف والأشد الذين عاصرهم الإمام الكاظم عليه السلام؛ من أبي جعفر المنصور إلى المهدي ابنه، وموسى الهادي وأخيرا هارون الرشيد، وكان ينبغي أن يُسلك في هذه الفترات الحرجة سلوكا (عاقلا حكيما) وألا يستسلم لفورة الغيظ بل ولا يستدرَج المؤمنون باستفزازات السلطات تلك للقيام بعمل تكون فيها نهايتهم وتدميرهم! كان لا بد من التوصية بالتعقل بل واتخاذ (كظم الغيظ) سيرة وطريقة حياة! في وقت كان الاتجاه الغالب عند المؤمنين بالإمامة على أثر الظلامات التي مارستها الحكومات تجاههم، المسارعة إلى النهضة والثورة، حتى لقد عبرت عنه بعض الروايات بـ (النزق) [155] وأن الإمام ودّ لو يفتدي ذلك ببعض لحم ساعده! ولذلك كان الوصية بالتقية، واللطف في الحاجات وعدم الاذاعة وغيرها.. ففي مقابل ذلك التسرع في المواقف، والنزق في الحركات، والانسياق وراء الحماس والاعلان عن أقصى المواقف كان ينبغي التوصية بالتعقل الاجتماعي وكظم الغيظ السياسي. 3/ الموضوع الحياتي: فإن نعمة العقل وإن كانت بحسب الخلقة موجودة لدى الناس إلا أن هذا المصباح لا يلبث أن يعتم على ضوئه بل ربما أطفئ بفعل غلبة الشهوات تارة، ومعوقات عمل العقل وحكمه أخرى كالإعلام المضلل ورأي المحيط الذي يعيش فيه الانسان! وهكذا.. من هنا ينبغي أن يتدبر المؤمنون في هذه الوصية باعتبارها، منهجا في تحكيم العقل في المسائل المختلفة وإدارة الشؤون الحياتية. وباطلالة فهرستية على الوصية[156] سوف نلاحظ الأفكار التالية فيها: 1/ ابتدأ الإمام عليه السلام ببيان أن الله سبحانه قد بشر أهل العقل في كتابه ومدحهم فيه، وبأنه جعل الآيات دليلا على ربوبيته وحين أكمل البشر بالعقول هداهم بها إليه؛ وعرض من تلك الآيات خلق السماوات والأرض واختلاف
هامش
154 ) للتفصيل في ذلك يراجع سلسلتنا: من تاريخ المذاهب في الإسلام. 155 ) الصدوق، محمد بن علي بن بابويه: الخصال ٥٨ عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: وددت أني افتديت خصلتين في الشيعة لنا ببعض [لحم] ساعدي: النزق وقلة الكتمان 156 ) الكليني، الكافي١/٦١