لمّا حَبَسَ هارونُ أبا الحسن موسى الكاظم عليه السلام دخل عليه السجن ليلاً أبو يوسف ومحمّد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة فقال أحدهما للآخر: نحن على أحد الأمرين، إمّا أن نساويه أو نشكله فسلمّا عليه وجلسا عنده وأرادا أن يختبراه بالسؤال لينظرا مكانه من العلم، فجاء رجل كان موكّلاً من قبل السندي بن شاهَك بالكاظم عليه السلام فقال له: إنّ نوبتي قد انقضت وأُريد الانصراف إلى غد إن شاء الله فإن كان لك حاجة تأمرني حتّى أن آتيك بها معي إذا جئتك غداً، فقال: مالي حاجة انصرف!
فلمّا أن خرج قال لأبي يوسف ومحمّد بن الحسن: إنّي لأعجب من هذا الرجل يسألني أن أُكلّفه حاجةً يأتيني بها غداً إذا جاء وهو ميّت في هذه الليلة.
فأمسكا عن سؤاله وقاما ولم يسألا عن شيء وقالا: أردنا أن نسأله عن الفرض والسنّة أخذ يتكلّم معنا علم الغيب، والله لنرسل خلف الرجل من يبيت عند باب داره وننظر ما يكون من أمره.
فأرسلا شخصاً من جهتهما جلس على باب ذلك الرجل فلمّا كان أثناء الليل وإذا بالصراخ والواعية، فقيل لهم: ما الخبر؟ فقالوا: مات صاحب البيت فجأةً، فعاد إليهما الرسول وأخبرهما بذلك فتعجّبا من ذلك غاية العجب.[145]
وعلي بن سويد السائي:
ومن ذلك أجوبته عليه السلام على رسالة أرسلها إليه أحد أصحابه وهو علي بن سويد السائي الذي قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام وهو في الحبس اسأله فيه عن حاله وعن جواب مسائل كتبت بها اليه، فكتب اليّ: واما ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك، لا تأخذنّ معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنك ان تعديتهم اخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وآله وخانوا أماناتهم، انهم اؤتمنوا على كتاب اللّه عز وعلا فحرفوه وبدلوه، فعليهم لعنة اللّه ولعنة رسوله صلى اللّه عليه وآله ولعنة ملائكته ولعنة ابائي الكرام البررة ولعنتي ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة[146]..
وهند بن الحجاج:
وربما أرسل هو عليه السلام على بعض أصحابه ليأتي إليه ويوصيه بما أهمه كما حصل مع هند بن الحجاج فيما رواه بشار مولى السندي بن شاهك، قال: كنت من أشد الناس بغضا لآل محمد، فدعاني السندي يوما فقال: يا بشار إني أريد ان أئتمنك على ما ائتمنني هارون قلت إذن لا أبقي فيه غاية قال: هنا موسى بن جعفر قد دفعه إليّ وقد دفعته بحفظه فاجعله في دار خوف وكنت أقفل عليه عدة اقفال، فإذا مضيت في حاجة وكلت امرأتي بالباب ولا تفارقه حتى ارجع.
قال بشار: فحوّل اللّه ما كان في قلبي من البغض حبًّا، قال: فدعاني عليه السلام يوما فقال: يا بشار احضر في سجن القنطرة وادع لي هند بن الحجاج وقل له أبو الحسن يأمرك بالمصير إليه، فإنه ينتهرك ويصيح عليك فإذا فعل ذلك، فقل أنا قد قلت وأبلغت رسالته فان شئت فافعل وان شئت لا تفعل واتركه وانصرف.
قال: ففعلت ما أمرني به فأقفلت الأبواب كما كنت اقفل وأقعدت امرأتي على الباب وقلت لا تبرحي حتى آتيك وقصدت إلى سجن القنطرة، ودخلت إلى هند بن الحجاج، وقلت له أبو الحسن يأمرك بالمصير إليه فصاح عليّ وانتهرني فقلت له: قد أبلغتك فان شئت فافعل وان شئت لا تفعل وانصرفت.
هامش
145 ) المالكي (ابن الصباغ)، علي بن محمد أحمد: الفصول المهمة في معرفة الأئمة 2 /٢٧٩، أقول: نحن نتعجب من تعجبهما وموقفهما غاية العجب.. ألم يكن في هذا برهان دامغ على ارتباطه وآبائه بالله سبحانه؟ وألم يكن هذا كافيا لهما ليسلما له ولآبائه بالمنزلة الرفيعة والامامة الالهية؟
146 ) الشبستري: أحسن التراجم ١/٤١١