تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كاظم الغيظ الامام موسى بن جعفر عليه السلام — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
ولكنهم يعرضون عن عظاتها والتأمل فيها (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)، وكذلك حين يمر هؤلاء الناس ويقرأون التاريخ وأحداثه فهم لا يتوقفون لتحليل أحداثه ونقدها ودراستها، وهذا ليس طريق شيعة أهل البيت عليهم السلام. الثاني: النظر الإيجابي إلى التاريخ: وهو يعتمد على أن هذا المكتوب في التاريخ ليس وحيًا منزلا، ولا آية محكمة، وإنما هو في الغالب ما سطره كتّاب تلك الفترات بأمر مباشر أو غير مباشر من السلطات الحاكمة، الأمر الذي لا نزال نجده إلى يومنا هذا في كتاب كل فترة تاريخية، فإنهم يكتبون ما يوافق حاكميها وإن كان كذبا ويتجنبون ما يخالفهم وإن كان حقا! بل قد تجد أحيانا أن كاتبا ـ في الصحافة أو التاريخ ـ يكتب شيئا لأن سياسة الحاكم تقتضيه، فتتغير سياسة الحاكم بعد مدة فيكتب ضد ما (أو من) كان يؤيده.. لا لشيء إلا لأن الحاكم في الحالة الأولى كان راضيا عنه وفي التالية كان ساخطا عليه! هذا في كتابة الشخص الواحد فضلا عن كتابة الأشخاص المتعددين وفي المناطق المختلفة، والخاضعين لإرادات متعددة! ولهذا يرى شيعة أهل البيت أنه ينبغي أن ينظر للتاريخ بعين النقد والتحليل والتفكير، وفي ذلك فإنهم منحازون في التاريخ لأهل العدل، وضد الظلم، لا أنهم فقط يؤمنون بالعدل الالهي في القضايا الاعتقادية، فحينما ينظرون للفساد لا يمكن أن يصفقوا لهُ، وحينما ينظرون للصلاح وأهل الصلاح فهم لا يملكون إلا تأييده! إنهم حين ينظرون مثلا إلى ما عرف بالفتوحات الإسلامية لا يمكن أن يعطوها بطاقة خضراء دائمة! ولا ينظرون فقط إلى النتائج الحاصلة؛ وإنما إلى مقدار قربها وبعدها من العدل والدين، وإلى دوافع القادة الفاتحين، وهل كان المهم فتح الأرض بالقوة أو المهم هو فتح القلوب بالمعرفة؟ هل جاء الإسلام للتوسع واحتلال الأراضي أو لفتح قلوب الناس وهدايتهم؟ نعتقد ـ كما يرى كثير من المحققين ـ أن فتح قلوب الناس بالمعرفة والأخلاق حتى يتقبلوا دين الإسلام أعظم أثراً من فتح الأراضي، نعم تلك الفتوحات جلبت مزيدًا من الأموال للحاكمين وأعدادا كبيرة من الجواري للمتع الجنسية من نصيب القادة العسكريين، ويؤكدون أن الفتح العلمي والأخلاقي بنشر الدين وأفكاره وإن كان قليلاً من ناحية الأرض، لكنه أهم وأفضل من فتح الأراضي، ويستشهدون لذلك بأن فتح الأراضي كإسبانيا (الاندلس)لم يبق فيها وبمجرد زوال الحكم والسلطة رجعت تلك البلاد لديانتها السابقة فيما كان الوضع في اندونيسيا ـ وهي أكبر تجمع سكاني مسلم في العالم اليوم ـ مختلفا فلم تفتح بالجيوش وإنما بالأخلاق والعلم! كما يرون أن الخليفة الذي يسجن على التهمة ويقتل على الظنة مهما تمادى في بناء العمران ومهما شاد من الطوب وحفر الأنهار وتوسعة الدولة فإن هذا لا يشفع لهُ إذا كان يسجن الناس بلا مبرر شرعي ويتعسف في حقوقهم، وعصره لا يمكن أن يكون عصرًا ذهبيًا. شيعة أهل البيت عندما ينظرون إلى تاريخ المعصومين عليهم السلام يرونهم صفوة الله وإن لم يفتحوا أرضًا أو يسيروا جيوشا، لكنهم فتحوا للشريعة آفاقا وعلوما ومعارف وهذا هو الفتح الحقيقي.