دخلت إلى الرشيد بعقب [ 1 ] وفاة أبي ، وذلك بعد شهر من يوم وفاته ، فلمّا جلست ورأيت موضعه الذي كان يجلس فيه خاليا دمعت عيني ، فكففتها وتصبّرت ؛ ولمحني الرشيد فدعاني إليه وأدناني منه ، فقبّلت يده ورجله والأرض بين يديه ، فاستعبر ، وكان رقيقا ؛ فوثبت قائما ثم قلت :
في بقاء الخليفة الميمون
خلف من مصيبة المحزون
لا يضير المصاب رزء إذا ما
كان ذا مفزع إلى هارون
فقال لي : كذاك واللَّه هو ، ولن تفقد من أبيك ما دمت حيّا إلا شخصه ؛ وأمر بإضافة [ 2 ] رزقه إلى رزقي ؛ فقلت : بل يأمر أمير المؤمنين به إلى ولده ، ففي خدمتي إياه ما يغنيني ؛ فقال : اجعلوا رزق إبراهيم لولده وأضعفوا رزق إسحاق .
صوت من المائة المختارة
أحد الأصوات من المائة المختارة :
يا دار سعدى بالجزع [ 3 ] من ملل [ 4 ]
حيّيت من دمنة [ 5 ] ومن طلل
إنّي إذا ما البخيل أمّنها
باتت ضموزا [ 6 ] منّي على وجل [ 7 ]
لا أمتع العوذ بالفصال ولا
أبتاع إلا قريبة الأجل
العوذ : الإبل التي قد نتجت ، واحدتها عائذ . يقول : أنحرها وأولادها للأضياف فلا أمتعها . والضّموز :
الممسكة عن أن تجتّر . ضمز الجمل بجرّته إذا أمسك عنها ، ودسع [ 8 ] بها إذا استعملها . يقول : فهذه الناقة من شدة خوفها على نفسها مما رأت من نحر نظائرها قد امتنعت من جرّتها فهي ضامزة .
الشعر لابن هرمة . والغناء في اللحن المختار لمرزوق الصراف [ 9 ] ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر
هامش
[ 1 ] كذا في ط ، ء . وفي سائر الأصول : « بعقيب » . والعقيب : المعاقب ، ويستقيم الكلام به على تقدير محذوف ، أي بوقت عقيب وقت وفاة أبيه ، أو على أن يكون مصغرا .
[ 2 ] في ط ، ء : « بإفاضة » .
[ 3 ] الجزع ( بالكسر ويفتح ) : منعطف الوادي ووسطه أو منقطعة . وفي ط ، ء : « الخيف » وهو ما انحدر عن غلف الجبل وارتفع عن مسيل الماء .
[ 4 ] ملل ( بالتحريك ) : منزل على طريق المدينة إلى مكة بينه وبين المدينة ثمانية وعشرون ميلا .
[ 5 ] في ب : « دجنة » بالجيم ، وهو تحريف .
[ 6 ] كذا في ط ، ء . وفي سائر الأصول : « بانت ضمورا » وهو تصحيف .
[ 7 ] ورد هذا البيت والذي بعده في « الأمالي » ( ج 3 ص 110 طبع دار الكتب المصرية ) بتقديم الذي بعده عليه ، وهو الأنسب ليرجع الضمير فيه إلى مذكور . وفي تفسير المؤلف للبيتين ما يشعر بهذا الترتيب .
[ 8 ] كذا في ط ، ء . ودسع الرجل : قاء ملء الفم . وفي ب ، س : « رسغ » ( بالراء والغين المعجمة ) . وفي سائر الأصول : « رسع » بالراء والعين المهملة ، وكلاهما تحريف .
[ 9 ] كذا في ط ، ء ، أهنا وفيما سبق في جميع الأصول في الجزء الرابع في آخر ترجمة فليح بن أبي العوراء . وفي سائر الأصول هنا :
« لمرزوق الضراب » .