سقيم ملّ منه أقربوه
وأسلمه المداوي والحميم
فقال الرشيد : إنّا للَّه ! وخرج ، فلم يبعد حتى سمع الواعية [ 1 ] عليه .
أمر الرشيد ابنه المأمون أن يصلي عليه مع آخرين :
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثني عمر بن شبّة قال :
مات إبراهيم الموصليّ سنة ثمان وثمانين ومائة ، ومات في ذلك اليوم الكسائي النحويّ والعباس بن الأحنف الشاعر وهشيمة [ 2 ] الخمّارة ، فرفع ذلك إلى الرشيد ، فأمر المأمون أن يصلَّي عليهم ، فخرج فصفّوا بين يديه ؛ فقال :
من هذا الأوّل ؟ قيل : إبراهيم ؛ فقال : أخّروه وقدّموا العبّاس بن الأحنف ، فقدّم فصلَّى عليهم ؛ فلما فرغ وانصرف ، دنا منه هاشم بن عبد اللَّه بن مالك الخزاعيّ فقال : يا سيّدي ، كيف آثرت العبّاس بالتّقدمة على من حضر ؟ قال :
لقوله :
وسعى بها ناس فقالوا إنّها
لهي التي تشقى بها وتكابد [ 3 ]
فجحدتهم ليكون غيرك ظنّهم [ 4 ]
إنّي ليعجبني المحبّ الجاحد
ثم قال : أتحفظها ؟ قلت نعم ؛ فقال : أنشدني باقيها ؛ فأنشدته :
لمّا رأيت الليل سدّ طريقه
عنّي وعذّبني الظلام الراكد
والنّجم في كبد السماء كأنه
أعمى تحيّر ما لديه قائد
ناديت من طرد الرّقاد بصدّه
عمّا [ 5 ] أعالج وهو خلو هاجد
يا ذا الذي صدع الفؤاد بهجره
أنت البلاء طريفه والتّالد
ألقيت بين جفون عيني حرقة
فإلى متى أنا ساهر يا راقد
/ فقال المأمون : أليس من قال هذا الشعر حقيقا بالتقدمة ؟ فقلت : بلى واللَّه يا سيّدي .
ذهاب برصوما الزامر مع ابنه إسحاق إلى المجلس الذي كان يجلس فيه وبكاؤه عليه :
أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى قال قال حدّثني حمّاد بن إسحاق قال حدّثني أبي قال :
قال لي برصوما الزامر : أما في حقّي وخدمتي وميلي إليكم وشكري لكم ما أستوجب به أن تهب لي يوما من عمرك تفعل فيه ما أريد ولا تخالفني في شيء ؟ فقلت : بلى ووعدته بيوم ؛ فأتاني فقال : مر لي بخلعة ، ففعلت وجعلت فيها جبّة وشى ؛ فلبسها ظاهرة وقال : امض بنا إلى المجلس الذي كنت آتي أباك فيه ؛ فمضينا جميعا إليه وقد خلَّقته وطيّبته ؛ فلما صار على باب المجلس رمى بنفسه إلى الأرض فتمرّغ في التّراب وبكى وأخرج نايه وجعل
هامش
[ 1 ] كذا في ط ، ء ، ح . والواعية : الصراخ على الميت . وفي سائر الأصول : « الناعية » .
[ 2 ] هكذا وردت مضبوطة في ط ( بضم الهاء وفتح الشين ) ، وهي : امرأة كانت تبيع الخمر ، وكانت جارة لإسحاق الموصلي ، وقد رثاها بأبيات يرميها فيها بالقيادة . ( انظر ترجمة إسحاق الموصلي فيما سيأتي من هذا الجزء ) .
[ 3 ] في ط ، ء : « وتجاهد » .
[ 4 ] في ط ، ء : « همهم » .
[ 5 ] كذا في ط ، ء و « ديوانه » . وفي سائر الأصول : « عمن » .