تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كاظم الغيظ : الامام موسى بن جعفر عليه السلام — صفحة 7

مساهمون:

ص٧
وفي بعض مصادر مدرسة الخلفاء أن أبا حنيفة قال بعدها: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ). فالإمام موسى عليه السلام وهو لا يزال (فتى صغير السن) يجيب على البداهة في مسألة عقدية غاية في الدقة وأخرى تفصيلية في الفقه! فكانتا تعريفا لأبي حنيفة بفضل الإمام موسى وعلمه. بالطبع فإن القسم الثاني من الرواية لم تنقل في مصادر مدرسة الخلفاء لأنها تعارض بعض توجهاتهم العقدية لا سيما تلك المذاهب التي تميل نحو الجبر في أفعال العباد. ويظهر من بعض الروايات أنه لم تكن تلك المحاورة هي الحادثة الوحيدة التي اطلع فيها أبو حنيفة على فضل الإمام موسى، بل إنه في موضع آخر قد سأل أباه جعفرا عليه السلام عن صلاة ابنه، وتعمد الإمام جعفر ألا يجيبه بنفسه وإنما يترك الجواب لابنه موسى، فعن محمّد بن مسلم قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه عليه السّلام فقال له: رأيت ابنك موسى يصلي والناس يمرون بين يديه فلا ينهاهم وفيه ما فيه! فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: ادعوا لي موسى، فقال: يا بني! إن أبا حنيفة يذكر أنك صليت والناس يمرّون بين يديك فلم تنههم؟ فقال: نعم، إن الذي كنت أصلي له كان أقرب إليّ منهم يقول اللّه: ونَحْن أَقْرَب إِلَيْه مِن حَبْل الْوَرِيدِ قال: فضمّه أبو عبد اللّه عليه السّلام إلى نفسه، وقال: بأبي أنت وأمي يا مستودع الأسرار[18]. تحمل الإمام الكاظم عليه السلام لأعباء الإمامة: استشهد الإمام الصادق عليه السلام سنة 148 هـ فتحمل الإمام موسى أعباء الإمامة في جو مشحون بالتوتر، ذلك أن أبا جعفر المنصور العباسي[19] وقد سيطر على منصب الخلافة من سنة 136 إلى سنة 156 هـ، وخلال هذه السنوات العشرين، مثّل أسوأ درجات الغدر بأصحابه وأقاربه فما ظنك سيفعل فيمن يظنهم مناوئيه ومنافسيه؟ فقد غدر بعمه عبد الله بن علي بعد أن رماه بقتال أبي مسلم الخراساني ضمن مقولة أيهما قتل صاحبه فلا أبالي، ولما انهزم عمه وذهب إلى البصرة عند أخيه سليمان بن علي وحين علم بذلك أبو جعفر بعث إلى سليمان يأمره بإحضار عبد الله بن علي إليه، وأعطاه الأمان لعبد الله ما جعله يثق به، فجيء به إلى المنصور سنة 139هـ، فأمر بحبسه في بيت بني أساسه على الملح ثم أطلق عليه الماء فذاب الملح وسقط البيت على عبد الله فمات.. ولم يكن نصيب أبي مسلم الخراساني أحسن حالًا منه فبعد أن وطد له ملكه وقضى على مخالفي المنصور، غدر به المنصور في قصة مفصلة بعدما أعطاه من الأمان ما يوثق به! ولم يكن حال بني الإمام الحسن المجتبى إلا أسوأ من هذين! مع أنهم لم يثقوا في أمانه وأيمانه وإيمانه! وزاد صحيفته سوادا باغتيال الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد بالسم بعد إيذاء واضطهاد.. وتنمر في مواجهة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم فقد أرسل إلى واليه على المدينة أن أنظر من أوصى اليه جعفر بن محمد وقدمه وأضرب عنقه[20].
هامش
18 ) الكليني، الكافي ٣ / ٣٠١ 19 ) أبو جعفر عبد الله المنصور بن مُحمد بن عَلي بن عبد الله بن العباس بن عَبْد المُطلّب (ولد سنة 95 هـ ومات 158 هـ) بويع له بالخلافة سنة 136 هـ بعد وفاة أخيه أبي العباس السفاح، بوصية أخيهم إبراهيم (الإمام)، عرف بالبخل الشديد حتى لقب بالدوانيقي (والدانق هو أصغر عملة كان يتعامل بها) وبالقسوة المفرطة على مخالفيه، وسيأتي أنه وهو المؤسس الحقيقي للدولة العباسية قد انسلخ من انتمائه الهاشمي حين تجاهر بالعداوة لبني هاشم، وانتخب طريقا فقهيا وعقديا غير ما كانوا عليه.. وسيأتي في المتن بعض الاشارة لذلك. 20 ) الكليني، الكافي ١/٣١٠، عن أبي أيوب النحوي قال: بعث إلي أبو جعفر المنصور في جوف الليل فأتيته فدخلت عليه وهو جالس على كرسي وبين يديه شمعة وفي يده كتاب، قال: فلما سلمت عليه رمى بالكتاب إليّ وهو يبكي، فقال لي: هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا أن جعفر بن محمد قد مات، فإنا لله وإنا إليه راجعون - ثلاثا - وأين مثل جعفر؟ ثم قال لي: اكتب قال: فكتبت صدر الكتاب، ثم قال: اكتب إن كان أوصى إلى رجل واحد بعينه فقدمه واضرب عنقه!!، قال: فرجع إليه الجواب أنه قد أوصى إلى خمسة واحدهم أبو جعفر المنصور ومحمد بن سليمان وعبد الله وموسى وحميدة.
كاظم الغيظ : الامام موسى بن جعفر عليه السلام — صفحة 7 | فوزي آل سيف