تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كاظم الغيظ : الامام موسى بن جعفر عليه السلام — صفحة 8

مساهمون:

ص٨
لقد كان الإمام الصادق عليه السلام يعرف شخصية المنصور العباسي وتعطشه للدماء ولذلك فقد سار بأسلوب مناسب فهو من جهة كان يعمل خلال عشرات السنين على الاشارة الصريحة وغير الصريحة لإمامة ابنه موسى عليه السلام، بما مر علينا آنفا مما نقلناه، من تحويله الأسئلة إليه وإعلام خلص أصحابه بفضله، حتى أصبح معروفا بأنه وصي أبيه وخليفته من بعده، ومن جهة أخرى فقد أوصى ـ رسميا ـ إلى خمسة أشخاص أحدهم المنصور العباسي تغطية على الوصي الحقيقي، ولا ريب أن علماء شيعته عرفوا سر تلك الوصية كما أخبر عنها أبو حمزة الثمالي (قيل إنه توفي سنة 150 هـ)عندما سمع أن أعرابيا جاء من المدينة إلى الكوفة فأخبر أن الصادق عليه السّلام قد مات فشهق أبو حمزة الثمالي وضرب بيديه الأرض، ثم سأل الأعرابي: هل سمعت له بوصية؟ قال: أوصى إلى ابنه عبد اللّه وإلى ابنه موسى وإلى المنصور، فقال: الحمد للّه الذي لم يضلّنا دل على الصغير، وبيّن على الكبير، وستر الأمر العظيم، فقلت له: فسّر لي؟ فقال لي إن الكبير ذو عاهة، ودل على الصغير بأن أدخل يده مع الكبير، وستر الأمر العظيم حتى إذا سأل المنصور من وصيّه قيل أنت![21] في مثل هذا الظرف الحرج وأمام هذا الحاكم الذي جمع بين البخل على الناس والغدر بأصحابه والقسوة على منافسيه، كانت بداية إمامة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وعاصره مدة تصل إلى نحو ثمان سنوات (من 148ه إلى 156هـ). وسنعرض إلى خلاصة لملامح الدور الاجتماعي والسياسي الذي قام به الإمام عليه السلام في فترة إمامته، وأما تفاصيل ذلك فستأتي في صفحات قادمة ومواضيع مستقلة. كاظم الغيظ: ربما يكون هذا اللقب الذي اشتهر به الإمام عليه السلام يلخص ملامح الدور الذي اضطلع به سواء في زمان المنصور الذي جاء مشمرا عن أكمام الانتقام، أو في زمان هارون الذي سيشهد سجن الإمام موسى ثم شهادته مسموما في السجن. وسيكون لنا موضوع حول كظمه الغيظ في محيطه الاجتماعي والسياسي. قضاؤه حوائج الناس: بينما تقوم السلطات البعيدة عن المجتمع بفرض القوانين المنهكة والمتعبة لعامة الناس غير شاعرة بمعاناتها، ومن السهل على بعض مستشاري هذه السلطات أن يزينوا لهم أن يجمعوا من الناس المال على شكل ضرائب[22] أو جزاءات أو غير ذلك ومن لا يدفع يتعرض للعقوبة. بينما قد وجدنا في حكومات المسلمين من يسارع إلى تحميل عامة الناس مثل هذه النفقات والضرائب غير المبررة، ويكون المتضرر الأكبر فيها الفئة الفقيرة التي قد لا تملك قوت يومها لكنها مجبورة أن تصرف على الحاكم ونزواته وشهواته، وإلا كانت تحت طائلة العقاب. وكان الأئمة عليهم السلام ـ ومنهم الإمام الكاظم ـ يستعملون وجاهتهم وموقعهم بين الناس لكي يخففوا هذه الأعباء. 1/ فقد روي عن رجل من أهل الري أنه قال: ولي علينا بعض كتاب يحيى بن خالد، وكان عليّ بقايا يطالبني بها وخفت من إلزامي إياها خروجا عن نعمتي وقيل لي: إنه ينتحل هذا المذهب، فخفت أن أمضي إليه وأمتُّ به إليه (أنتسب له بكوني على مذهبه) فلا يكون كذلك فأقع فيما لا أحب فاجتمع رأيي على أن هربت إلى الله تعالى
هامش
21 ) الحر العاملي، إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات ٤/٢٢٥ 22 ) الرأي المشهور بين فقهاء المسلمين هو عدم جواز فرض ضرائب على عامة الناس غير ما وجب عليهم من الحقوق المالية الدينية كالزكاة والخمس وما أشبهها.