وأنه في علم الحديث كان أول من نادى الشيعة برفض شطر كبير من الحديث وبخاصة ما كان من خبر الآحاد فيها، وكان لعمله هذا فضل كبير في تمحيص أحاديث أهل البيت وفحصها.
وأنه في علم الكلام كان قِرن القاضي عبد الجبار رأس المعتزلة وشيخهم الذي إليه انتهت زعامتهم في القديم والحديث، وانه في جماع ذلك كان يعتبر مجدد المذهب الشيعي الامامي وباعثه في القرن الرابع الهجري.
ولقد رأيت في «المرتضىب أديبا ناقدا يعتبر في طليعة الناقدين، وأديبا ناثرا يعد من خيرة الأدباء المترسلين، وأديبا شاعرا، يسلك به في الشعراء الآليين الذين يملكون المادة الصالحة، والآلة المرهفة، ولا يملكون القدرة على الانتفاع بهما من أجل تحويلها إلى بضاعة تدخل سوق الأدب فتصيب حظا بالغا من تقدير ورواج[59].
أساتذته:
توفر للشريف المرتضى عدد من الأساتذة الذين كان كل واحد منهم، فريدا في فنه وعلمه، فقد درس على يد الخطيب الأديب ابن نباتة [60]، الذي كان يقول إنه حفظ مائة فصل من خطب علي ابن أبي طالب ففاضت من جنانه ولسانه. وقد استفاد منه علماً كثيراً في الأدب والشعر والخطابة ويعده بعض العلماء أوحد أهل زمانه علماً وخطابة.
كما أخذ اللغة وعلومها عن محمد بن عمران المرزباني الكاتب المتوفى سنة 384هـ كما ذكر ذلك في ترجمته، في مقدمة الذريعة إلى أصول الشيعة.
أما أستاذه المبرز فقد كان الشيخ المفيد محمد بن النعمان البغدادي العكبري الذي انتهت إليه رئاسة الشيعة الإمامية في زمانه،وقد أخذ الشريف العلم على يديه مدة تصل إلى عقدين من الزمن.
عصره:
عاش الشريف المرتضى في عصر البويهيين، وهؤلاء لأسباب مختلفة أطلقوا عنان الأفكار، وقُدر في زمانهم العلم وتنوفس فيه، فراجت سوقه.
ولهذا فإنه بالرغم من توجهات البويهيين الشيعية الواضحة، إلا أن ذلك لم يمنعهم من جعل (عبد الجبار
هامش
59 الأمين؛ السيد محسن: أعيان الشيعة ج 8 ص 213. ظاهرا عن كتاب (أدب المرتضى).
60 عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل الفارقي، كان خطيب حلب، وبها اجتمع مع أبي الطيب المتنبي في خدمة سيف الدولة، وكان سيف الدولة كثير الغزوات، فكثرت خطبه في الجهاد ليحض الناس على نصر سيف الدولة، توفي سنة 374 ذكر ذلك في الدرجات الرفيعة وفي فلاسفة الشيعة ولعله المشهور بينهم، غير أن باحثين آخرين رأوا الذي درس عليه الأدب واللغة هو ابن نباتة السعدي: عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد ابن نباتة (بضم النون أبو نصر التميمي السعدي الشاعر ولد سنة 327 وتوفى ببغداد سنة 405 خمس وأربعمائة. له ديوان شعره مشهور.