معجزة التأريخ وهيرودوت[33] العرب
علي بن الحسين المسعودي
توفي سنة 346 هـ
علي بن الحسين بن علي الهذلي المسعودي، علامة مضيئة في جبين التدوين التاريخي في العصور الإسلامية، وعلاّمة واسع الاطلاع قل نظيره في ميدان العقائد والبحث في الفرق. فهو «عالم موسوعي بكل ما في هذه الكلمة من معنى أي لم يقصر نفسه على مادة التاريخ فحسب. نرى المسعودي الجغرافي المبرز في أبحاثه الجغرافية، والمسعودي الفقيه صاحب المصنفات العديدة في الفقه وأصوله، والمسعودي المضطلع بعلم الأديان والعقائد والملل والفرق وما يتعلق بهذه الأمور من مسائل الامامة وغيرها، وهو ذو الباع الطويلة والعلم الغزير في اللغة العربية وآدابها من شعر ونثر.
وفي علم المنطق والفلسفة ورجالها المبرزين فيها، وفي الفلك والنجوم وفي الطب وعلم الكيمياء والأحجار الكريمة ومعرفة أنواع الجواهر.
وكان المسعودي أيضا عالما بالحيوان على اختلاف أجناسه وخصائصه»[34].
وهو بهذا يحق أن يكون محل اقتداء وتمثل من قِبل أبناء الأمة اليوم، حيث لم يرضَ لنفسه الدونَ من الاهتمام، والقليل من المعرفة.
المسعودي في لقبه ينتسب إلى الصحابي عبد الله بن مسعود، كما أشار إليه أكثر من ترجم حياته بالرغم من أن صاحب المروج لم يشر إلى ذلك فيما وصلنا من كتبه. بل لم يفصل في سيرة جده كما فعل غيره، كالطبري مثلا، فضلا عن أولئك الذين ألفوا في حياة الصحابة. وعلى أي حال فإن عبد الله بن مسعود يعد من السابقين إلى التصديق برسول الله صلى الله عليه وآله فقد نقل عنه أنه كان سادس ستة أسلموا، وهو بهذا يتقدم على أكثر الصحابة.
كما أنه على الرغم من بنيته البدنية الضئيلة كان شجاع القلب والموقف، فقد جاهر كفار قريش بتلاوة القرآن أمامهم في الملأ العام في الوقت الذي أحجم فيه سائر الصحابة عن ذلك فقام فيهم في مكة وبدأ يتلو آيات سورة الرحمن، فلما عرفوا أنه يقرأ ما نزل على النبي صلى الله عليه وآله قاموا إليه وجعلوا يضربون في
هامش
33 هيرودوت (484 ذ 425 ق م أول مؤرخ اغريقي أخذ على عاتقه كتابة تاريخ العالم حتى الوقت الذي عاش فيه، وقد أطلق عليه الخطيب الروماني سيشرون: أبا التاريخ. واشتهر بكتبه التسعة التي كتبها عن الامبراطورية الفارسية وغزو الفرس لليونان.وقد سافر في ريعان شبابه من اليونان إلى الشرق الأوسط وافريقيا الشمالية وكان في كل مكان يذهب إليه يدرس سلوك وعادات وأديان الشعوب وتعلم كل ما يمكن عن تاريخها. يراجع الموسوعة العربية العالمية 26. 316.
34 السويكت، د. سليمان: منهج المسعودي في كتابة التاريخ. 432