وعلى مدى عقدين من الزمان (من 984- 1005) وجدناه يتنكر، ولا يعرّف شخصه بل يلبس ملابس الدراويش ويسافر إلى مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، وقد نقل صاحب الأعيان[201] خبر أسفاره إلى مصر والقدس ودمشق وحلب، ونحن ننقله بتمامه منه:
قال وكان يجتمع مدة اقامته بمصر بالأستاذ محمد بن أبي الحسن البكري وكان الأستاذ يبالغ في تعظيمه فقال له مرة: يا مولانا انا درويش فقير فكيف تعظمني هذا التعظيم؟
قال شممت منك رائحة الفضل وامتدح الأستاذ بقصيدته المشهورة التي مطلعها:
يا مصر سقيا لك من جنة
قطوفها يانعة دانية
ثم قدم القدس. وحكى الرضي بن أبي اللطف المقدسي قال: ورد علينا من مصر رجل من مهابته محترم فنزل من بيت المقدس بفناء الحرم عليه سيماء الصلاح وقد اتسم بلباس السياح وقد تجنب الناس وأنس بالوحشة دون الإيناس وكان يألف من الحرم فناء المسجد الأقصى ولم يسند أحد مدة الإقامة إليه نقصا فألقي في روعي انه من كبار العلماء الأعاظم فما زلت لخاطره أتقرب ولما لا يرضيه أتجنب فإذا هو ممن يرحل إليه للأخذ منه وتشد له الرجال للرواية عنه يسمى بهاء الدين محمد الهمداني الحارثي فسألته عند ذلك القراءة عليه في بعض العلوم فقال بشرط أن يكون ذلك مكتوما وقرأت عليه شيئا من الهيئة والهندسة ثم سار إلى الشام قاصدا بلاد العجم وقد خفي عني امره واستعجم.
وقال المنيني: ولما ورد دمشق نزل بمحلة الخراب عند بعض تجارها الكبار واجتمع به الحافظ الحسين الكربلائي القزويني والتبريزي نزيل دمشق بصاحب الروضات الذي صنفه في مزارات تبريز واستنشده شيئا وكثيرا ما سمعت انه تطلب الاجتماع بالحسن البوريني فأحضره له التاجر الذي كان عنده بدعوة وتأنق في الضيافة ودعا غالب فضلاء محلته فلما حضر البوريني المجلسي راى فيه البهائي بهيئة السياح وهو في صدر المجلس والجماعة محدقون به وهم متأدبون غاية التأدب فعجب البوريني من ذلك وكان لا يعرفه ولم يسمع به فلم يعبأ به ونحاه عن مجلسه وجلس غير ملتفت إليه وشرع على عادته في بث دقائقه ومعارفه إلى أن صلوا العشاء ثم جلسوا فابتدر البهاء في نقل بعض المناسبات وأخذ في الأبحاث فأورد بحثا في التفسير عويصا فتكلم عليه بعبارة سهلة فهمها الجماعة كلهم ثم دقق في التعبير حتى لم يبق من يفهم ما يقول الا البوريني ثم اغمض في العبارة فبقي الجماعة كلهم والبوريني معهم صموتا جمودا لا يدرون ما يقول غير أنهم يسمعون تراكيب واعتراضات وأجوبة تأخذ بالألباب فعندها نهض البوريني واقعا على قدميه فقال إن كان ولا بد فأنت البهاء الحارثي إذ لا أحد اليوم بهذه المثابة الا هو فاعتنقا وأخذا بعد ذلك في إيراد أنفس ما يحفظان وسأل البهاء من البوريني كتمان امره وافترقا تلك الليلة ثم لم يقم البهاء فاقلع إلى حلب.
هامش
201 المصدر السابق ص 241.