رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا
« 1 » . حيث ذمّ المشركين على تحريم ما رزقهم اللّه .
وتمسكت الأشاعرة لشمول الرزق للحلال والحرام معا بما رووه عن صفوان بن أمية قال : « كنّا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذ جاء عمر ابن قرّة فقال : يا رسول اللّه إنّ اللّه كتب عليّ الشقوة ، فلا أراني ارزق إلّا من دفي بكفي فأذن لي في الغناء . فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : لا آذن لك ، ولا كرامة ، ولا نعمة ، كذبت أي عدو اللّه ، واللّه رزقك حلالا طيبا ، فاخترت ما حرّم اللّه من رزقه ، مكان ما أحل اللّه لك من حلاله . وبأنّه لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقا ، وقد قال اللّه تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
« 2 » .
وأجابت المعتزلة عن الحديث بالطعن في سنده تارة ، وبالتأويل على تقدير صحته أخرى ، وتأويله أنّ إطلاق الرزق على الحرام لمشاكلة قوله : فلا أراني ارزق ، كقوله تعالى
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
« 3 » ، وباب المشاكلة وإن كان نوعا من المجاز ، لكنه واسع كثير الورود في القرآن والحديث ، فاش في نظم البلغاء ونثرهم .
وعن قولهم : لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقا ، بأنّ مادة النقض لابدّ وأن تكون متحققة ، وليس الأمر كذلك إذ يتصور حيوان كذلك ، أمّا غير الإنسان فلأنّه لا يتصوّر بالنسبة إليه حلّ ولا حرمة ، وأمّا الإنسان فلو لم يكن يأكل من الحلال إلّا مدة عدم التّكليف لكفى في دفع النقض « 4 » .
هامش
( 1 ) الآية 59 ، من سورة يونس : 10 .
( 2 ) الآية 6 ، من سورة هود : 11 .
( 3 ) الآية 54 ، من سورة آل عمران : 3 .
( 4 ) وبعبارة واضحة : أعمال الإنسان - ومنها تغذيه - قبل البلوغ بحسب الحكم الشرعي كأعمال الحيوان لا تتصف بالإباحة ولا الحرمة ولا غيرهما من الأحكام الخمسة ، فلا يتصور بالنسبة إلى الصبيان وغير البالغين التّغذي بالحرام ، وأمّا بعد البلوغ فلأنّه بعد ما كان الرزق أعم من الغذاء باتفاق المعتزلة والأشاعرة يشمل التّنفس في الهواء ، ومعلوم أنّه مباح في حقّه قطعا فلم يوجد حيوان لا رزق له إلّا الحرام طول عمره ، ويوضحه أنّه لو مات إنسان قبل أن يأكل شيئا ، لزم أن يكون غير مرزوق ، فما هو جواب الأشاعرة فهو جواب المعتزلة .