فكتب [ 1 ] إلى ابن الزبير بذلك وقال له : إذا كانت لك بالبصرة حاجة فاصرف ابنك عنها وأعد إليها مصعبا ؛ ففعل ذلك . وقال بعض الشعراء يهجو حمزة ويعيبه بقوله في أمر الماء الذي رآه قد جزر :
يا بن الزّبير بعثت حمزة عاملا
يا ليت حمزة كان خلف عمان
أزرى بدجلة حين عبّ عبابها
وتقاذفت بزواخر الطَّوفان
نفار النوار من الفرزدق والتجاؤها لابن الزبير وشفاعة الفرزدق بابنه حمزة :
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال :
خطب النّوار ابنة أعين المجاشعيّة رجل من قومها ، فجعلت أمرها إلى الفرزدق ، وكان ابن عمها دنية [ 2 ] ، ليزوّجها منه ، فأشهد عليها بذلك وبأنّ أمرها إليه شهودا عدولا ؛ فلما أشهدتهم على نفسها قال لهم الفرزدق : فإني أشهدكم أنّي قد تزوّجتها ، فمنعته النّوار نفسها وخرجت إلى الحجاز إلى عبد اللَّه بن الزّبير ، فاستجارت بامرأته بنت منظور بن زبّان ، وخرج الفرزدق فعاذ بابنه حمزة ، وقال يمدحه :
يا حمز هل لك في ذي حاجة ، غرضت [ 3 ]
أنضاؤه بمكان [ 4 ] غير ممطور
/ فأنت أولى قريش أن تكون لها
وأنت بين أبي بكر ومنظور
/ فجعل أمر النّوار يقوى وأمر الفرزدق يضعف ؛ فقال الفرزدق في ذلك :
أمّا بنوه فلم تنفع شفاعتهم
وشفّعت بنت منظور بن زبّانا
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا [ 5 ]
مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
فبلغ ابن الزّبير شعره ، ولقيه على باب المسجد وهو خارج منه فضغط حلقه حتى كاد يقتله ، ثم خلَّاه وقال :
لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزا [ 6 ]
ولو رضيت رمح [ 7 ] استه لاستقرّت
ثم دخل إلى النّوار فقال لها : إن شئت فرّقت بينك وبينه ثم ضربت عنقه فلا يهجونا أبدا ، وإن شئت أمضيت نكاحه فهو ابن عمّك وأقرب الناس إليك ، وكانت امرأة صالحة ، فقالت : أو ما غير هذا ؟ قال : لا ؛ قالت : ما أحبّ أن يقتل ولكني أمضي أمره فلعلّ اللَّه أن يجعل في كرهي إيّاه خيرا ؛ فمضت إليه وخرجت معه إلى البصرة .
غنى معبد حمزة بن عبد اللَّه بشعره فأجازه :
أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الزّبيريّ :
أن حمزة بن عبد اللَّه كان جوادا ، فدخل إليه معبد يوما وقد أرسله ابن قطن مولاه يقترض له من حمزة ألف
هامش
[ 1 ] في « تاريخ الطبري » قسم 2 ص 752 « كتب الأحنف » .
[ 2 ] يقال : هو ابن عم دنية أي لاصق النسب .
[ 3 ] في الأصول « عرضت » وقد صححها الأستاذ الشنقيطي كما أثبتناه . و « غرضت » : ملَّت وضجرت .
[ 4 ] كذا في « الأغاني » في ترجمة الفرزدق ( ج 19 ص 11 طبعة بولاق ) وفي الأصول هنا : « ببلاد » وهو لا يتفق مع الوصف .
[ 5 ] كذا في « ديوان » الفرزدق ، وفي الأصول : « متزرا » بالإدغام . وإدغام الهمزة في تاء الافتعال بعضهم يجيزه والأكثر على منعه .
[ 6 ] في رواية أخرى :ألا تلكم عرس الفرزدق جامحا[ 7 ] يريد بقوله « رمح اسنه » : طعنه في دبره ورفسه بالأرجل ، وهذا كناية عن امتهانه واحتقاره ، والرمح : الضرب بالرجل .