وفي قوله في صفة سفينة :
تلاعب نينان البحور وربّما
رأيت نفوس القوم من جريها تجري
وقال : لم يسمع من الوجل والغزل فعلى ، ولم أسمع بنون ونينان [ 1 ] ؛ فبلغ ذلك بشّارا فقال : ويلي على القصّارين [ 2 ] ! متى كانت الفصاحة في بيوت القصارين ! دعوني وإيّاه ؛ فبلغ ذلك الأخفش فبكى وجزع ؛ فقيل له : ما يبكيك ؟ فقال : وما لي لا أبكي / وقد وقعت في لسان بشّار الأعمى ! فذهب أصحابه إلى بشار فكذّبوا عنه واستوهبوا منه عرضه وسألوه ألَّا يهجوه ؛ فقال : قد وهبته للؤم عرضه . فكان الأخفش بعد ذلك يحتجّ بشعره في كتبه ليبلغه ؛ فكفّ عن ذكره بعد هذا .
قال : وقال غير أبي حاتم : إنما بلغه أنّ سيبويه عاب هذه الأحرف [ 3 ] عليه لا الأخفش ، فقال يهجوه :
أسبويه يا بن الفارسيّة ما الذي
تحدّثت عن شتمي وما كنت تنبذ
أظلت تغنّي سادرا [ 4 ] في مساءتي
وأمّك بالمصرين تعطي وتأخذ
قال : فتوقّاه سيبويه بعد ذلك ، وكان إذا سئل عن شيء فأجاب عنه ووجد له شاهدا من شعر بشّار احتجّ به استكفافا لشرّه .
ذمّ بني سدوس باستعانة بني عقيل :
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني أحمد بن عليّ بن سويد بن منجوف قال :
كان بشّار مجاورا لبني عقيل وبني سدوس في منزل الحيّين ، فكانوا لا يزالون يتفاخرون ، فاستعانت عقيل ببشّار وقالوا : له : يا أبا معاذ ، نحن أهلك وأنت ابننا وربيت في حجورنا فأعنّا ؛ فخرج عليهم وهم يتفاخرون ، فجلس ثم أنشد :
كأنّ بني سدوس رهط ثور
خنافس تحت منكسر الجدار
تحرّك للفخار زبانييها [ 5 ]
وفخر الخنفساء من الصّغار
فوثب بنو سدوس إليه فقالوا : ما لنا ولك يا هذا ! نعوذ باللَّه من شرّك ! فقال : هذا دأبكم إن عاودتم مفاخرة بني عقيل ؛ فلم يعاودوها .
/ أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني محمد بن إسماعيل عن محمد بن سلَّام قال : قال يونس النحويّ : العجب من الأزد يدعون هذا العبد ينسب بنسائهم ويهجو رجالهم - يعني بشّارا - ويقول :
هامش
[ 1 ] ورد هذا الجمع في كتب اللغة ، فقد جاء في « لسان العرب » و « القاموس » وغيرهما في مادة « نون » : النون : الحوت والجمع أنوان ونينان .
[ 2 ] القصار : من يحوّر الثياب ويدقها .
[ 3 ] الأحرف : الكلمات .
[ 4 ] السادر : المتحير ، والذي يتكلم غير متثبت في كلامه ، وقيل : هو اللاهي الذي لا يهتم لشيء ولا يبالي ما صنع .
[ 5 ] كذا في ح ، أ ، م : تثنية زباني ، وزبانيا العقرب : قرناها . وفي ب ، س : « زبانتيها » وهو تصحيف .