كأن شرارة وقعت بقلبي
لها في مقلتي ودمي استنان [ 1 ]
إذا أنشدت أو نسمت عليها
رياح الصّيف هاج لها دخان
فعلمت أنها لبشّار ، فأتيته فقلت : يا أبا معاذ ، ما ذنبي إليك ؟ قال : ذنب غراب البين ؛ فقلت : هل ذكرتني بغير هذا ؟ قال : لا ؛ فقلت : أنشدك اللَّه ألَّا تزيد ؛ فقال : امض لشأنك فقد تركتك .
بشار وجعفر بن سليمان :
ونسخت من كتابه : حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني يحيى بن سعيد الأيوزرذي [ 2 ] المعتزليّ قال حدّثني أحمد بن المعذّل عن أبيه قال :
أنشد بشّار جعفر بن سليمان :
أقلَّي فإنّا لاحقون وإنّما
يؤخّرنا أنّا يعدّ لنا عدّا
وما كنت إلا كالأغرّ ابن جعفر
رأى المال لا يبقى فأبقى به حمدا
/ فقال له جعفر بن سليمان : من ابن جعفر ؟ قال : الطيّار [ 3 ] في الجنة ؛ فقال : لقد ساميت غير مسامى ! فقال :
واللَّه ما يقعدني عن شأوه بعد النسب ، لكن قلَّة النشب [ 4 ] ، وإني لأجود بالقليل وإن لم يكن عندي الكثير ، وما على من جاد بما يملك ألَّا يهب البدور [ 5 ] ؛ فقال له جعفر : لقد هززت أبا معاذ ، ثم دعا له بكيس فدفعه إليه .
سئل عن ميله للهجاء دون المديح فأجاب :
ونسخت من كتابه : حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني أحمد بن سعيد الرازيّ عن سليمان بن سليمان العلويّ قال :
قيل لبشّار : إنك لكثير الهجاء ! فقال : إني وجدت الهجاء المؤلم آخذ بضبع [ 6 ] الشاعر من المديح الرائع ، ومن أراد من الشّعراء أن يكرم في دهر اللئام على المديح فليستعدّ للفقر وإلا فليبالغ في الهجاء ليخاف فيعطى .
بشار في صباه :
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال :
كان برد أبو بشّار طيّانا حاذقا بالتّطيين ، وولد له بشّار وهو أعمى ، فكان يقول : / ما رأيت مولودا أعظم بركة منه ، ولقد ولد لي وما عندي درهم فما حال الحول حتى جمعت مائتي درهم . ولم يمت برد حتى قال بشّار الشّعر .
وكان لبشّار أخوان يقال لأحدهما : بشر ، وللآخر : بشير ، وكانا قصّابين وكان بشّار بارّا بهما ، على أنه كان ضيّق
هامش
[ 1 ] الاستنان : الجريان بشدّة .
[ 2 ] كذا في ب ، س ، أ ، ء ، وفي م : « الأيوزردي » وفي ح : « الأريوزذي » .
[ 3 ] الطيار لقب جعفر بن أبي طالب ، وسبب هذا اللقب أنه أخذ الراية في غزوة « موتة » بعد زيد بن حارثة فقاتل حتى قطعت يداه ومات ، فأخبر النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بأنه يطير مع الملائكة في السماء ، وكان ابن عمر إذا سلَّم على عبد اللَّه بن جعفر قال : السلام عليك يا بن ذي الجناحين . ( انظر « البخاري بشرح القسطلاني » ج 6 ص 143 طبع بولاق ) .
[ 4 ] كذا فيء ، أ ، ح وفي باقي النسخ : « النسب » وهو تصحيف .
[ 5 ] البدور : جمع بدرة وهي كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار .
[ 6 ] الضبع : العضد .