آخر « 3 » .
وقد أرديت جيلا من النّاس كثيرا « 4 » ، خدعتهم بغيّك ، وألقيتهم في موج بحرك تغشاهم الظّلمات ، وتتلاطم بهم الشّبهات ، فجاروا عن وجهتهم ، ونكصوا على أعقابهم ، وتولّوا على أدبارهم ، وعوّلوا على أحسابهم « 5 » إلّا من فاء من أهل البصائر فإنّهم فارقوك بعد معرفتك ، وهربوا إلى اللّه من موازرتك ، إذ حملتهم على الصّعب ، وعدلت بهم عن القصد « 6 » .
فاتّق اللّه يا معاوية في نفسك ، وجاذب الشّيطان قيادك « 7 » ، فإنّ الدّنيا منقطعة عنك ، والآخرة قريبة منك ، والسّلام .
قال أبو الحسن عليّ بن محمد المدائني 1 أبو الحسن عليّ بن محمد المدائني - كتاب المدائني - ، فكتب إليه معاوية :
من معاوية بن أبي سفيان ، إلى عليّ بن أبي طالب .
أما بعد فقد وقفت على كتابك ، وقد أبيت على الفتن إلّا تماديا ، وإنّي لعالم أن
هامش
( 3 ) الثوب المهيل : المتداعي في التمزق ، ومنه « رمل مهيل » : ينهال ويسيل .
( 4 ) الجيل - على زنة الفيل - : الصنف من الناس ، والجمع : أجيال وجيلان . وروي : « وقد أرديت جبلا من الناس » أي خلقا منهم . والغي : الضلال . ومن قوله : « وقد أرديت جيلا » - إلى آخره - رواه في المختار ( 35 ) من كتب النهج .
( 5 ) فجاروا عن وجهتهم : مالوا وانحرفوا . وروي : « فجازوا » - بالزاي المعجمة - : بعدوا عنها . و « وجهتهم » - بضم الواو وكسرها - : الناحية والجهة . و « نكصوا على أعقابهم » :
رجعوا إلى أعقابهم ، إلى الجاهلية التي كانوا عليها . و « عولوا على أحسابهم » : اتكلوا واعتمدوا على ما يعجبهم من الافتخار بالقبائل والأحساب دون الايمان والتقوى فجعلوا يحمونك حمية الجاهلية ، ونبذوا نصرة الحق والتمسك به وراء ظهورهم .
( 6 ) الا من فاء إلخ : الا من رجع إلى الحق من أهل البصيرة والعلم . والموازرة : المعاضدة .
والقصد : استقامة الطريق وكون السالك على رشد .
( 7 ) القياد : ما تقاد به الدابة أي إذا قادك الشيطان إليه بقياد الهوى فجاذب قيادك منه ، وامنع نفسك من انقيادها له .