أغناك عمّا منعوك ، وما أحوجهم إلى ما منعتهم ، فعليك بالصبر فإنّ الخير في الصبر ، والصبر من الكرم ، ودع الجزع فإنّ الجزع لا يغنيك .
ثمّ تكلّم عمّار رضي اللّه عنه ، فقال : يا أبا ذرّ أوحش اللّه من أوحشك ، وأخاف من أخافك ، إنّه واللّه ما منع النّاس أن يقولوا الحق إلّا الركون إلى الدنيا والحب لها ، ألا إنما الطاعة مع الجماعة « 8 » والملك لمن غلب عليه ، وإن هؤلاء القوم دعوا النّاس إلى دنياهم فأجابوهم إليها ، ووهبوا لهم دينهم فخسروا الدنيا والآخرة ، وذلك هو الخسران المبين .
ثمّ تكلم أبو ذرّ رضي اللّه عنه فقال : عليكم السّلام ورحمة اللّه وبركاته ، بأبي وأمّي هذه الوجوه فإنّي إذا رأيتكم ذكرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بكم ، وما لي بالمدينة شجن ولا سكن غيركم « 9 » ، وإنّه ثقل على عثمان جواري بالمدينة - كما ثقل على معاوية بالشام - فآلى « 10 » أن يسيّرني إلى بلدة فطلبت إليه أن يكون ذلك إلى الكوفة ، فزعم أنّه يخاف أن أفسد على أخيه « 11 » الناس بالكوفة ، وآلى باللّه أن يسيّرني إلى بلدة لا أرى فيها أنيسا ولا أسمع بها حسيسا « 12 » وإني واللّه ما أريد إلّا اللّه صاحبا ، ومالي مع اللّه وحشة ، حسبي اللّه لا إله إلّا هو ، عليه توكّلت وهو ربّ العرش العظيم ، وصلّى اللّه على سيّدنا محمد وآله الطيبين .
هامش
( 8 ) أي إن طاعة الناس وانقيادهم مع الجماعة أي من اجتمع عليه الجمهور ورضيت به العامة والهمج والرعاء ، وملكهم ورئاستهم لمن غلب على الأمر ، واستولى على البلاد .
( 9 ) الشجن - كالشجر وكذلك الشجنة بتثليث الشين وسكون الجيم - : الغصن الملتف المشتبك . هوى النفس . والسكن - كالوطن - : ما يسكن ويطمئن إليه ويستأنس به ، وفي المعنى الأول للشجن تشبيه بديع حيث شبه نفسه بفرع لا استمساك له ، وأهل البيت بغصن بالالتفاف به والتمسك منه يحصل القوام والاستمساك .
( 10 ) فآلى - فعل ماض من باب الإفعال مأخوذ من الإيلاء - : فحلف .
( 11 ) وهو الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه ، وكان ولاه الكوفة ، فكان يصلي بهم الصبح في حال السكر أربعا ويقول : هل أزيدكم ؟ ! !
( 12 ) الحسيس : الصوت الخفي .