حُزني عليه دائمٌ لا يَنقضي * وتَصبُّري منّي عَليَّ تَعذّرا
وارحمتاهُ لصارخاتٍ حَولَه * تبكي له ولوجهها لن تَسترا
ما زال بالرمح الطويل مُدافعاً * عنها ويكفلُها بأبيض أبترا
ويصونُها صونَ الكريم لعِرْضه * حتّى له الأجلُ المتاحُ تقدّرا
لَهْفي على ذاك الذبيح من القَفا * ظُلماً وظلّ ثلاثةً لن يُقبرا
مُلقىً على وجه التراب تظنُّه * داودَ في المحراب حين تسوّرا
لَهْفي على العاري السليب ثيابه * فكأنّه ذو النون ينبذ بالعرا
لهفي على الهاوي الصريع كأنّه * قمرٌ هوىً من أوجه فتكوّرا
لهفي على تلك البنان تقطّعت * لو أنّها اتّصلت لكانت أبحُرا
لهفي على العبّاس وهو مُجَندلٌ * عرضتْ منيَّتُه له فتَعثّرا
لَحِقَ الغُبار جبينَه ولطالما * في شأوه لحق الكرام وغبَّرا
سلبته أبناءُ اللثام قميصَه * وكَسته ثوباً بالنجيع مُعَصفرا
فكأنّما أثرُ الدماء بوجهه * شفقٌ على وجه الصباح قد انبرى
حُرٌّ بنصر أخيه قام مجاهداً * فهوى المماتَ على الحياة وآثرا
حفظ الإخاءَ وعهده فوفى له * حتّى قضى تحتَ السيوف مُعفَّرا
من لي بأن أفدي الحسين بمهجتي * وأرى بأرض الطفِّ ذاك المحضرا
فلو استطعت قذفتُ حبّةَ مُقلتي * وجعلت مدفنَه الشريف المحجرا
روحي فدا الرأس المفارق جسمَه * يُنشي التلاوةَ لَيلَه مستغفرا
ريحانةٌ ذهبت نضارةُ عُودها * فكأنّها بالتُرب تسقي العنبرا
ومُضرِّجٍ بدمائه فكأنّما * بجيوبه فَتَّتَ مِسكاً أذفَرا
عَضْبٌ يدُ الحدثان فَلَّت غَرْبَه * ولطالما فَلق الرؤوس وكسّرا
ومثقّفٍ حَطَم الحِمامُ كُعوبَه * فبكى عليه كلّ لَدنٍ أسمرا
عجباً له يشكو الظَماءَ وإنّه * لو لامس الصخر الأصَمَّ تفجّرا
يَلجُ الغُبارَ به جَوادٌ سابحٌ * فيخوض نقع الصافنات الأكدرا
طلب الوصولَ إلى الوُرود فعاقَه * ضربٌ يُشبُّ على النواصي مجمرا