إذا التهبت الخطوب فعليك بالخمود ، فكلّ التهاب إلى انطفاء ، وكلّ انقضاض إلى انقضاء .
التواضع أمان من التقاطع ، والتملّق أمان من التفرّق . التغافل عن بعض الأمور تعافل ، والتناعس في بعض الأمور تكايس . ليس للفسوق سوق ، ولا للرياء رواء .
من نظر في حكمته عدل في حكومته ، من رقّ نجارك عن نجاره فلا تجاره .
من قصر حسامك عن حسامه فلا تسامه .
إلى أن قال : قلت : أبصر هذه البلاغة ، كأنّ في كلّ لفظة منها حساماً يرد على طلبه ، أو سناناً يلغ في كلبه ، وهناك ما شئت من تناسب وتناسق ، وتجانس وتطابق ، واستعارة من أخبار ، والتفاتة إلى آثار ، واختلاسة من أشعار ، وإنّما اغترف منشيها من بحر غزير ، إذا اغترف سواه من نهر أو غدير .
وهذا حين انتقل من نثار ورده إلى نظام عقده ، وابتدىء من تشبيهاته بما هو أبدع من برود الشباب ، وأنقع من برود الشراب .
فمنها قصيدة يمدح بها الوزير أبا نصر أحمد بن محمّد بن عبد الصمد رجب سنة خمس وعشرين وأربعمائة ، وهي :
وقفنا على دارٍ لريّا نزورها * وقد خفّ أهلوها وغارت بدورها
أزرنا دموع العين دار التي لها * على البعد طيفٌ لا يزال يزورها
وقد دثرت من بعدها غير أنّها * أجدّ غرام الزائريها دثورها
عذيري من عينٍ تفيض غروبها * نجيعاً ونفسٍ قد تناهى غرورها
إذا اعتادها الشوق استجارت من الجوى * بأسراب دمعٍ ضاع من يستجيرها
وما أنس لا أنس العقيق وحسنها * وقد ناسب الآصال طيباً « 1 » هجيرها
معاهد لا ينوى النزوع خليعها * بهنّ ولا يرجو الخلاص أسيرها
بوادٍ تحار العين فيه إذا اجتلت * وقد عمّه عين الظبآء وحورها
إذا رام أن يصطاد منها مغرّرٌ * تصيّده من بينهنّ غريرها
هامش
( 1 ) طياً - خ .